New Page 1
  مواقع مفيدة | القذافي يتحدث أكاديمية الداسات العليا اللجنة الشعبية العامة
 

البيروقراطية - الفصل الثاني

: تعريف البيروقراطية

أ- المعنى اللفظي للبيروقراطية

كلمة " بيروقراطية " مركبة من شقين ، الأول بمعنى المكتب والثاني ، وهي مشتقة من الأصل الإغريقي ، والثاني  ، القوة والكلمة في مجموعها تعني قوة المكتب ، أو سلطة المكتب .

وتعرفها الموسوعة الميسرة ، بأنها " مجموع الهيئات والأشخاص الذين يقومون بالوظيفة التنفيذية في الدولة " [1]  ويشير الاصطلاح عادة إلى تضخم تلك الهيئات وازدياد نفوذها على حساب الهيئات النيابية المعبرة عن الإرادة الشعبية .

والمعنى المثالي للبيروقراطية هو " إن البيروقراطية تتطلب من أعضائها المتانة والتماسك والإخلاص والتكييف " .

والبيروقراطية بمفهومها كانت موجودة منذ العصور القديمة . ويعرض معجم وبستر عدة تعاريف للكلمة تصلح لاستعمالات مختلفة هي :-

1-   الإدارة الحكومية عن طريق المصالح والإدارات التي يسيرها مجموعة من الموظفين يحكمهم روتين غير مرن .

2-   مجموعة من الموظفين الرسميين .

    3- الإجراءات الحكومية الرسمية ، أو الروتين

4-   تركيز السلطة في المكاتب الإدارية .

ويلاحظ على التعاريف السابقة أنها  تركز اهتماماتها على البيروقراطية الحكومية . وفي الواقع أن كلمة بيروقراطية تستعمل أيضاً في قطاع الإدارة الخاصة ويلاحظ أيضاً أن روبرت مرتون وآخرين في مقدمة كتابهم يقولون       ما يأتي :-

" إن نمو البيروقراطية – سواء في الحكومة أو قطاع الأعمال – ينظر إليه كأحد الاتجاهات الاجتماعية في وقتاً الحاضر " .

ويقول بيتر بلاو أن  البيروقراطية ليست مقصورة على الأجهزة الحكومية والعسكرية أو المدنية ، فهي توجد أيضاً في قطاع الأعمال ، وفي الاتحادات وفي الكنائس ، وفي الجامعات ، وحتى في لعبة ( البيبسول ) .

المعنى الوظيفي للكلمة

حيث أن جميع الدول التقليدية وقبل بزوغ الجماهيرية تستشعر بحاجة وبدرجات متفاوتة إلى وجود جهاز إداري تنظيمية هرمي ومركزي مستبعداً أية مبادرة من القاعدة ومغلقاً عن البيئة التي يعمل بها وقادر على إشباع ما ترسم له الحكومة من أهداف بولاء وشجاعة .

وتعتبر البيروقراطية عند ماكس ويبر ، الشكل التنظيمي الأكثر ترشيداً للعمل الإداري ومن ثم فهو الواجب التطبيق عالمياً .

ونجد أن كل الأنظمة والنظريات السياسية والاقتصادي في العالم مبنية على التسلط والقهر ولذلك فكل النظريات التي ظهرت في الجهاز الإداري هي متأثرة بهذه المفاهيم التسلطية فالبيروقراطية هي عبارة عن تسلط أصحاب

المكاتب عن طريق تدرج هرمي تقليدي رجعي ومنعدم فيه الإحساس الثوري التقدمي والبيروقراطية تؤدي إلى خلق جهاز إداري هرمي غير ديمقراطي يتمسك بحرفية القوانين لان هدف هذا الجهاز هو المحافظة على نظامه السياسي ونظامه الاقتصادي وليس تقديم خدمة سريعة وبكفاءة للجماهير الشعبية .

ونرى أن تطور الشكل التنظيمي البيروقراطي بتطور الدولة الرأسمالية الحديثة ، فالبيروقراطية عنده هي الشكل التنظيمي للإدارة الذي لا رجوع فيه والذي يتعين تطبيقه عالمياً . ولأن كل العالم الآن هو عالم الاستغلال والقهر والذل والاستعباد ، " وإذ أن مقتضيات النظام الاقتصادي تفرض وجود جسم من الموظفين المهنيين المتخصصين الذين يتلقون الأوامر ويتقدمونها ولكن مفهوم البيروقراطية  لا يمكن أن يوجد في ظل نظام اقتصادي اشتراكي حيث أن العاملين والموظفين في هذا النظام يشاركون في صنع القرار وينفذونه وليست مهمتهم التنفيذ فقط .

ومن عدة نواحي نرى أن التحليل الفيبري يختلف عن التحليل الماركسي في البيروقراطية الشكل الضروري لتنظيم جهاز الدولة في النظام الرأسمالي وحده باعتباره المعبر عن ترشيد العمل والأيدلوجية السائدة في أسلوب الإنتاج الرأسمالي ن وبسبب أن التنظيم البيروقراطي يؤدي إلى تقسيم العمل في العلاقات الرأسمالية القائمة يؤدي إلى انقسام بين المديرين والمنفذين ، وعلى العلاقات الموضوعية بين العاملين في الإدارة ونلاحظ أن الوقت برهن على عدم صدق تنبؤات ماركس بخصوص إلغاء البيروقراطية عند إلغاء الملكية الفردية لوسائل الإنتاج ، حيث نجد استمرار البيروقراطية في ظل الحل الماركسي في الوقت الذي لم تصدق افتراضات ماركس فيبر في منافع أسلوب التنظيم البيروقراطي ، وإنما ثبت نقصه وعدم ملاءمته سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية .

وعلى الرغم من أن نظام المساهمة في الإدارة يعتبر خطوة على الطريق لأنه يعتبر شكلاً مخففاً من النظام البيروقراطي ، فإن تطبيق الديمقراطية المباشرة يؤثر جذرياً على وضع الإدارة العامة في الدولة بحكم انعكاسها على الإدارة متخذة شكل نظام الإدارة الذاتية أو نظام الإدارة الشعبية ، والنظرية العالمية الثالثة تقدم حلا لكل مشاكل الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويؤدي تطبيقها إلى خلق جهاز إداري خالي من الأمراض الإدارية في جميع القطاعات ومن بينها قطاع الجيش الذي يعتبر جهازاً خاصاً لابد من أن يخضع فيه الفرد إلى تطبيق حرفي للقوانين وأن يكون هرمياً ، ولابد من وجود الظاهرة التسلطية في هذا القطاع ، ولكن نظرة الفكر الجديد إلى هذا القطاع هي نظرة جديدة وفريدة وهي تتمثل في قيام الشعب المسلح الذي يكون فيه كل الشعب مسئول عن الدفاع عن الأرض ويكون فيه كل شخص قد اخذ نصيبه من السلطة والثروة والسلاح وبذلك فلا يمكن أن نخاف على أن يهزم هذا الشعب أمام العدو ولا يمكن أن يخون الشعب نفسه أو أن يتسلط الشعب على نفسه وهنا سنتمكن من خلق جيش شعبي مثالي يتكون من كل الشعب ويكون كل فرد مسئول عن الدفاع عن الحرية بالتزام ذاتي دون تسلط أو قهر أو روتين وهكذا ستنتهي البيروقراطية في المؤسسة العسكرية بقيام الشعب  المسلح .

ثانياً : نشأة وتطوير البيروقراطية

إن البيروقراطية قديمة قدم المجتمعات ويرتبط مفهومها بالسياسة والاجتماع وعلم النفس والإدارة العامة والبيئة الاجتماعية ، والحاجة للبيروقراطية تنبع من الحاجة إلى أي تنظيم للجماعة وتعاونها لتحقيق هدف معين ، ويعرفها ويبر – الذي ارتبطت باسمه – بأنها " ذلك التنظيم الضخم المتواجد في المجتمع السياسي المعقد المتحضر لتحقيق الأهداف القومية ولإخراج السياسة العامة إلى حيز الوجود ووضعها موضع التنفيذ " .

أما كلمة بيروقراطية فتعني أولئك الأشخاص العاملين في الإدارات الحكومية والذين يتم اختيارهم للعمل بأساليب وراثية أو انتخابية يكونون فيما بينهم تنظيماً هرمياً تحكمه قواعد معينة وتحدد فيه الاختصاصات والواجبات والمسئوليات ، ومن هذا التعريف فان كل التعليلات التي وضعت لظهور البيروقراطية هي أدلة زائفة وغير مقنعة لان البيروقراطية قد ظهرت في المدينة اليونانية القديمة وظهرت في شركة جنرال موتورز لهذا فالسبب في ظهورها ليس التضخم ولكن فساد التنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي حيث أن العالم منذ القدم وحتى في ديمقراطية اليونان كانت كل الحلول حلولاً تلفيقية غير صحيحة وبذلك فكل المحاولات لم تنجح في القضاء على الأمراض الإدارية والبيروقراطية ليست حديثة النشأة كما أسلفنا . فقد ظهرت منذ عهد الفراعنة في مصر وسادت في عهود الصينيين واليونان والرومان والدولة الإسلامية ، فالإمبراطورية برقطت الحكم والدولة لأغراض جمع الضرائب ومنح حقوق الري (2) حتى الكهنة المصريون كانوا بيروقراطيين . وفي الصين كذلك عمل الماندريتز كبيروقراطيين للإشراف على السدود والقنوات وأنظمة الري – وكانت الكنسية في العصور الوسطى بيروقراطية في تنظيمها وفي الإمبراطورية الرومانية انتشرت مظاهر المركزية واتسم الفكر الروماني بالطابع القانوني ، وانتشرت الرقابة الإدارية عن طريق الإدارة العامة والمحاكم القضائية ، وفي الإدارة الإسلامية يجد الباحث كثيراً من المظاهر البيروقراطية تمثلت في اعتماد معايير الكفاءة والمساواة في التعيين وترتيب الوظائف العامة ووضع الأسس للخدمة المدنية السليمة وإيجاد نظام للحوافز وتحديد للمسئولية .

وفي العصور الحديثة ارتبطت البيروقراطية بالدول الحديثة ، وأصبحت تنظيماً مسيطراً وغير محصور في جهاز الدولة ولكنه كنوع من التنظيم امتد ليشمل معظم المؤسسات الاجتماعية . وقد لاحظ ويبر امتداد التنظيمات الكبيرة وتركيز الإدارة في أعلى المستويات الهيكلية وتبنى النمط البيروقراطي في مؤسسات المجتمعات المتقدمة .

وأصبح الجيش الحديث والكنيسة والجامعة تفقد جوانبها التقليدية وتدار بقواعد رشيدة غير شخصية تهدف إلى تعظيم الفاعلية ، ويعتبر التنظيم التجاري الكبير أفضل مثل للتنظيم البيروقراطي فلم تعد وسائل الإنتاج في يد العامل المنتج بل أصبح الهيكل يوضع ويصمم على أسس رشيدة .


[1] - أصول الإدارة العامة – د. عبدالكريم درويش ، دكتورة ليلى تكلا ، مكتبة الانجلو المصرية ، ص307 . 

 

New Page 1