New Page 1
  مواقع مفيدة | القذافي يتحدث أكاديمية الداسات العليا اللجنة الشعبية العامة
 

البيروقراطية - الفصل الثالث

مفهوم البيروقراطية في النظام الرأسمالي

إن تقسيم العمل هو الأساس الرئيسي في توزيع الوظائف على سلطات الدولة يتلافى أسلوب الإنتاج الرأسمالي الذي يطبق مبدأ تقسيم العمل على الصعيد الاجتماعي الاقتصادي ، ومع تطور أسلوب التنظيم البيروقراطي أو البيروقراطية الذي يعتبرونه على مستوى مؤسسات الدولة .

إن هذه الدلالة القوية على وجود علاقة وثيقة بين النظام الرأسمالي والبيروقراطية وقيام كل منهما على مبدأ تقسيم العمل قد أشار إليه كل من عالم الاجتماع الألماني ماكس ويبر وكارل ماركس حتى فسروها بأنها نموذج مثالي ودائم لتنظيم العمل وتوزيعه بسبب طابعه العقلي والترشيدي وهذه نظرة رأسمالية صرفة ، لأن مبدأ تقسيم العمل والحفاظ والاهتمام بالوقت يمثل نظرة الرأسماليين تجاه العمال الذين يواجهون الظلم واغتصاب الحقوق ، ونتيجة هذه العلاقات الظالمة التي تربط العامل برب العمل اخذ العامل يتهرب من العمل ومن زيادة الإنتاج ، ولهذا بدأ الرأسماليون في إصدار القوانين الشديدة على العمال .

والتدرج الهرمي ما هو إلا صورة لما شرحته في السابق حيث انه كلما تدرجنا في السلم الإداري كلما وجدنا شاغلي تلك المناصب ينضمون إلى الطبقة الحاكمة أو الحزب الحاكم ونرى انه تعطى لهم صلاحيات أكثر من غيرهم . وفي كل الأنظمة كلما وجدنا هناك قوانين صارمة وهناك استعمال كامل للسلطة وهناك إجراءات تعسفية هذا دليل على وجود انخفاض كبير في الكفاءة الإنتاجية أو هناك بطالة مقنعة في الجهاز الإداري .

وعندما يشعر الموظف بأنه يتقاضى مرتباً اقل من الذي يجب أن يتحصل عليه ولهذا سنعود مرة أخرى إلى أن ظهور البيروقراطية هي نتيجة وجود نظام سياسي واقتصادي غير سليم .

فالنظام الرأسمالي الذي تحكمه مقولة " دعه يعمل دعه يمر " هو في حقيقتها تعبر عن أعلى مراتب الاستغلال وعدم إتاحة الفرصة أمام الجميع ، لان الذي لا ينضم إلى الطبقة الحاكمة سوف تمنعه هذه الطبقة من أن يعمل وتمنعه من أن يمر ، ولكن الذي ينتمي إلى هذه الطبقة تنطبق عليه مقولة دعه يعمل دعه يمر .

أما في النظام الاشتراكي الذي تحكمه مقولة " شركاء لا أجراء " ومقولة " الذي ينتج هو الذي يستهلك "  فسوف تدع الفرصة أمام كل الشعب لأن الذي يحكم هو الشعب ولا يوجد شخص لا يكون من ضمن أفراد الشعب حيث أن سلطة هي سلطة الكل وليست حكم الفرد أو الجزء للكل ولأن سيادة الشعب لا تتجزأ .

ومن المعروف تاريخياً ومنطقياً أن كل نظرية سياسية أو اقتصادية سوف تكون في صالح الطبقة التي تنتمي إلى هذه النظرية ، ولهذا فمن البديهي أن يخدم النظام الرأسمالي الطبقة الرأسمالية وسوف يخدم النظام الجماهيري كل الجماهير الشعبية .

والآن سوف نقوم بسرد رأي منظر البيروقراطية في النظام الرأسمالي وهو العالم ماكس ويبر .

رأي " ماكس ويبر "

أوضح ماكس ويبر التلاقي بين تطور نموذج العمل البيروقراطي مع تعميم أسلوب الإنتاج الرأسمالي وتحديثه .

فمن خصائص الدولة الحديثة عند قيامها على أجهزة إدارية ذات كفاية وفعالية ، فلم يعد هناك مجال للخلط بين وظائف مراكز نوعية للإدارة وبين ملكية وسائل الإدارة الاقتصادية ، إذ أن الموظفين العموميين هم عمال مثقفون ومتخصصون ، وأصحاب كفاءة عالية ، ويحرك نشاطهم إحساس رفيع ، ومن جهة أخرى فإن الإدارة العامة تعمل بدقة ووضح ، وعلى سرعة إنجاز المعاملات ، والاطراد انطلاقاً من قواعد عامة لا شخصية ومكتوبة ، واستناداً إلى السلطة الرياسية الإدارية ، فالجهاز البيروقراطي بحكم تكوينه إذا من موظفين محترفين يعمل وفقاً لنظام قانوني ورشيد لابد أن يحتكر المعرفة والسلطة الإدارية وهذا التطور للتنظيم البيروقراطي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد الرأسمالي القائم على المنافسة بين المشروعات الخاصة ، والتي تكون بحاجة إلى إدارة تستند في عملها على قواعد لا شخصية ، آمرة ، دقيقة ، ومحسوبة بحيث لا تترك شيئاً للصدف ، وتعتمد على موظفين متجردين ، موضوعيين يعملون دون محاباة أو كراهية . وكما أن المشروع الرأسمالي لا يمكن أن يسير وفقاً لنظام تسوده الاعتبارات الشخصية كالمحسوبية والولاء والعرفان ، فان البيروقراطية بدورها تستبعد من الوظائف الرسمية كل اعتبار شخصي ولا عقلي وعاطفي لان مثل هذه الاعتبارات يتعدد حسابها بدقة ، ولم يستطيع النمط البيروقراطي الوصول إلى أعلى مراتبه إلا نتيجة تقدم المعرفة الفنية ، وتطور وسائل الاتصال ، وهو التقدم الذي حدث في عهد ارتقاء النظام الرأسمالي ، فالنظام البيروقراطي ينتج ، إذا عن الحاجة للمعرفة المتخصصة ، وهي الحاجة التي اقتضاها التطور الفني الحديث ، وأساليب الإنتاج الاقتصادية ومن ثم فإن " ماكس ويبر " لا يعتبر مثل ماركس تكون الظاهرة البيروقراطية نتيجة قيام نظام الطبقات ، وإنما هي ثمرة معطيات فنية وهي أوضاع الإنتاج الاقتصادي وسياسته تمثل استراتيجية الحاكمين .

كما أن ماكس ويبر يقف في صف الظاهرة المذكورة ويعتبرها نمطاً فعالاً ورشيد للتنظيم ولذا فهو يعتبر البيروقراطية نمطاً يتفوق على غيره من النماذج الأخرى في التنظيم ولابد أن يسود ، كما يلاحظ أيضاً عليها أنها أصبحت لذلك ظاهرة عالمية ونافعة ، ورمزا للدولة الحديثة .

وكذلك نجد أن البيروقراطية في النظام الرأسمالي تعتبر احد المظاهر للسلطة البيروقراطية حيث تتولى السلطة السياسية تنظيم الإدارة العامة فيها وفقاً للنمط البيروقراطي وتحقيقاً لزيادة فعاليتها واستمراريتها.

ويفترض في الإدارة البيروقراطية أن تكون عوناً للسلطة السياسية عند استعمالها للسلطة العامة إلا أن الملاحظ دائماً خروج الإدارة البيروقراطية عن رقابة السلطة السياسية في الوقت الذي يفترض تنفيذ أهدافها ، وتحول الإدارة إلى قوة سياسية مستقلة بما تستعين به من وسائل ، وعليه فالسؤال الذي يطرح نفسه لمصلحة من تعمل الإدارة البيروقراطية بعد أن أصبح بمقدورها إيصال أعضائها إلى المراكز القيادية وأن تهيئ لهم تحقيق مصالحهم الخاصة .

ويبدو أن السلطة البيروقراطية أصبحت وثيقة الصلة بظهور طبقة اجتماعية أو على الأقل فئة اجتماعية تمارس السلطة تحقيقاً لمصالح  خاصة بها .

البيروقراطية كثقل سياسي في النظم الليبرالية

يترتب الثقل السياسي للبيروقراطية في النظم الليبرالية كنتيجة للتحول في مركز السلطة ، فالسلطة التنفيذية أصبحت تشارك السلطة التشريعية في وظائفها ، وفي ذات السلطة التنفيذية أصبح كبار الموظفين يمارسون سلطات رجال السياسة .

وبعبارة أخرى أن التنظيم الدستوري الليبرالي القائم على المبدأ التمثيلي أصابه التغيير بانحطاط دور البرلمان التشريعي ، وتضاؤل رقابته على السلطة التنفيذية نتيجة توسع وظائف الدولة ، والطابع الفني للقيام بها ، ومشاركة الموظفين في تحضير القرارات التشريعية وفي تنفيذها والخلط بين العمل السياسي والعمل الفني الذي أدى إلى زيادة عدد الموظفين والوظائف في المراكز القيادية في الدولة . أن هذه المظاهر تفسر قيام سلطة بيروقراطية لها طابع الدوام رغم التغييرات السياسية والصراع على السلطة ويظهر الثقل السياسي للبيروقراطية في صورة مقاومة الإدارة البيروقراطية للوسط السياسي الذي يعجز عن فرض إرادته عليها ، وفي هذه الحالة تظهر الإدارة المذكورة وكأنها موقع للمقاومة لها تصورها الخاص للمصلحة العامة وساعية للعمل المستقل استناداً إلى مثل هذا التصور ، أن هذه الاستقلالية الوظيفية المتصلة بالاستقلال العضوي للبيروقراطية جاء نتيجة إخراج الإدارة عن المؤتمرات الشعبية وقيام البيروقراطية بالعمل السياسي يحرف النظام السياسي عن أساسه الديمقراطي التمثيلي طالما أنها تؤدي إلى حرمان الموظفين من تدبير شئونهم وتقرير طريقة حياتهم غير أن دور البيروقراطية وأثرها واحد في الأنظمة السياسية التمثيلية الليبرالية والشيوعية .

ولقد قام عدة علماء بدراسة كانت نتائجها " إن الطبقة ( الاوليغارشية ) هي في طريق التحول فهي لا تضم القابضين على أدوات الإنتاج فحسب ، وإنما أيضاَ وخاصة الفنيين والمدراء والمنظمين ، وكبار الموظفين الذي يشرفون على سير العمل في المشروعات ، وفي وسط مثل هذا المجتمع المتباين تتداخل السلطة السياسية بالسلطة الاقتصادية ، وتتحد فيها أواصر السلطة السياسية وأصحاب المناصب الإدارية العليا ورجال الأعمال ، غير أن اعتبار البيروقراطية هي في عداد الطوائف الحاكمة لا يعني بحد ذاته تكوينها لطبقة اجتماعية بالمعنى الضيق أو أن قيام مثل هذه الطبقة رهم بتملك وسائل الإنتاج " .

ومع ذلك فقد أدرك بعض الكُتاب ومنهم المشايعين للماركسية أن تملك وسائل الإنتاج ليس ضرورياً لتكوين طبقة اجتماعية .

ومن هذا السرد السابق نصل إلى الذي يقول بأن البيروقراطية في الدول للرأسمالية هي في سبيل تكوين طبقة حاكمة ، وهذا الرأي بالتالي متصل اتصالاً وثيقاً بالفرضية التي تذهب إلى وجود تقارب بين أشكال النظم السياسية في الدول الرأسمالية والدول الشيوعية لان هدفها واحد حتى أن اختلفت في الأساليب .

وحيث إننا نعرف أن ماكس ويبر هو أبو البيروقراطية أو هو مؤسس النموذج البيروقراطي وقد عاش فبر في ألمانيا التي تعتبر احد الدول الرأسمالية وقد أثرت على ماكس فبر عدة عوامل بالإضافة إلى عقيدته بالمذهب الرأسمالي وهي كالأتي :-

أولاً : التضخم الذي طرا على المؤسسات الصناعية في ألمانيا ، والذي عاصره ويبر كمواطن ألماني ، فقد اقتنع فبر بأن التضخم الرسمي المحكم له أثاره الايجابية على الإنتاج ومن ثم فلم يهتم بالنواحي الإنسانية إذا افترض أن النجاح في هذه المنظمات هو نتيجة طبيعية للتنظيم المحكم .

ثانياً : كان ويبر ضابطاً في الجيش التقليدي الألماني الذي يحتل تنظيماً عسكرياً ضخماً يدار بطريقة آمرة ويتحرك الأفراد بداخله وفق أوامر وتعليمات صارمة ومحددة سلفاً ومفروضة عليهم ، فاعتقد أن هذا الأسلوب من الإدارة يمكن أن ينجح في كل مجالاتها .

ثالثاً : كان ويبر ضابطاً في الجيش التقليدي الألماني الذي يحتل تنظيماً عسكرياً ضخماً يدار بطريقة آمرة ويتحرك الأفراد بداخله وفق أوامر وتعليمات صارمة ومحددة سلفاً ومفروضة عليهم ، فاعتقد أن هذا الأسلوب من الإدارة يمكن أن ينجح في كل مجالاتها .

ثالثاً : خبرته كعالم اجتماع اهتم بدراسة المجتمعات والأفراد جعلته يدرك عوامل الضعف في البشر ، وعدم امكان الاعتماد الكامل على العنصر البشري أو ترك الأمور لتصرف الأفراد بسبب قصورهم عن اتخاذ قرارات رشيدة وفي هذا مبرر لوضع القواعد والتنظيم المحكم للحيلولة دون تسرب الضعف البشري إلى عمل المنظمات .

ولكنني أوجه النقد إلى نموذج ماكس ويبر لأنه كما أشرت سلفاً إلى انه تأثر بالمذهب الرأسمالي الذي هدفه قهر أغلبية الشعب الذي لا ينضم إلى الطبقة البرجوازية الحاكمة وكذلك فقد اشتق فبر نظريته في البيروقراطية من ظروف الحياة في عصره ، ودعمتها خبراته في هذه المجالات الثلاثة والتي من بينها كونه ضابطاً في مؤسسة عسكرية قهرية مبنية على نظام عقيم ومنافي للديمقراطية وقائم على استبعاد الطبقات الصغيرة أو الدنيا في الجيش ، فوضع نموذجه التنظيمي بأسسه وقواعده معتقداً أنها ستلائم أي بيئة إدارية ، ولكنها في الواقع لا تلائم أي بيئة ولا أي نظام سياسي ولا اقتصادي إلا إذا كان هذا النظام هو نظام ظالم مثل النظام الشيوعي أو الرأسمالي ونجد أن للبيروقراطية انعكاسات على النظام الرأسمالي وسنشرح الانعكاسات البيروقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر سيدة العالم    الرأسمالي .

الانعكاسات البيروقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية

هذه الانعكاسات هي في اكبر دولة تتبنى النظام الرأسمالي حيث يواجه القادة الأمريكيون كثيراً من المشكلات بسبب الانعكاسات البيروقراطية التي تنحصر في تمسك القيادات الإدارية العليا ، التالية لرئيس الجمهورية ، بعدم تفويض السلطة للقيادات المعاونة له ، بالإضافة إلى طول خطوط الإشراف والسلطة وتعدد المستويات القيادية ، وكثرة التعقيبات الإدارية ، وإتباع سياسة القواعد والإجراءات المعيارية .

وتتمثل المشكلة الأولى في أن قادة الأجهزة المركزية لا يميلون إلى تفويض سلطتهم لغيرهم ، ويدافعون عن هذه السياسة بان لهم القدرة على الإشراف والمتابعة والحد من نفوذ القيادات الأخرى ومنع استقلالها عنهم ولقد انتقد الكُتاب هذه الحجج غير المقنعة فمثلاً يرى ( جيمس فسلر )   ضرورة التعاون بين المستويات القيادية المختلفة لإنجاز الأعمال في تنسيق كامل ومن جانبناً نرى أن السلطة هي ملك كل الموظفين ويجب أن تفوض السلطة للقادة بأسلوب يتناسب مع المسئوليات والواجبات المسندة إليهم .

ونرى أن ذلك التفويض لا يتعارض مع فكرة الإشراف والمتابعة ، بل انه يقوي العلاقة بين المستويات القيادية المختلفة ولا يعمل على انفصالها كما يساعد على تبسيط الإجراءات .

أما المشكلة الثانية فتتخلص في طول خطوط الإشراف والسلطة وتعدد المستويات القيادية ، ويرى المفكرون ضرورة وضوح خطوط القيادة حتى تحدد المستويات  في كل مستوى من مستوياتها المختلفة فيري ( ستون ) أن مخالفة ذلك المبدأ يترتب عليه نوع من الفوضى يتمثل في تخطي العاملين للقيادات اللامركزية وتلقيهم الأوامر والتوجيهات من القيادات المركزية بواشنطن [1]  .

والمشكلة الثانية تتمثل في كثير التعقيدات الناتجة عن تعدد المكاتبات والتعليمات المتبادلة بين المستويات القيادية المختلفة ، ويرى الباحثون امكان علاج هذه المشكلة بإقلال المكاتبات ، وتحسين وسائل الاتصال بين القادة ، ووضع دليل عمل مختصر يبين السياسات والإجراءات التي ينبغي  إتباعها  .

ومن جانبنا نؤيد هذا العلاج من الناحية النظرية ، ولكننا نرى أن تنفيذه من الناحية العملية يحتاج إلى المزيد من تفويض السلطة لأنه لا يمكن اختصار الإجراءات والتخلص من التعقيدات طالما بقيت السلطة مركزة في أيدي قادة الأجهزة المركزية .


[1] - ديجولا وزملائه ، الإدارة العامة ، ص 396 .

 

New Page 1