New Page 1
  مواقع مفيدة | القذافي يتحدث أكاديمية الداسات العليا اللجنة الشعبية العامة
 

البيروقراطية - الفصل الخامس

البيروقراطية في الدول النامية

من العوامل التي أدت إلى ظهور وتطور البيروقراطية وتنظيماتها في الدول المتقدمة هي الثورة الصناعية وزيادة السكان والتطور العلمي والتكنولوجي وتنظيم الاتصالات ثم اتساع نشاط الدولة وتدخلها في كافة نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، وأما الدول النامية فقد مرت بفترات طويلة من الاستعمار والتجزئة وخاضت حروباً تحريرية مسلحة طويلة لتحقيق الاستقلال الذي رافقته أعباء ثقيلة من التخلف السياسي والاجتماعي والثقافي وفي مثل هذه البيئة تزايدت تطلعت الجماهير لتلبية الحاجات المتزايدة والتغلب على مشكلات الفقر والجوع والمرض ومحاولة اللحاق بركب الحضارة المتسارع نتيجة لتطور أنظمة الاتصالات وانفتاح شعوب تلك الدول على الشعوب التي سبقتها في الدول المتقدمة وزيادة طموحها لتقليدها في جميع نواحي الحياة وتحقيق مستويات معيشية ومعدلات مماثلة للدخل القومي . لكن زيادة الطموحات والتوقعات العالية وثورة الآمال المتصاعدة صاحبها تخلف في النظم الإدارية بشكل خاص وأدى إلى حدوث ما يسمى بالفجوة الإدارية ، فقد اضطلعت الإدارة المختلفة في هذه البلدان بأعباء التنمية والتخطيط لها ، وكانت البيروقراطية صورة تعكس أوجه التخلف السابقة ، فكانت انعكاساً للسيطرة الاستعمارية والتخلف والتجزئة .

ويمكن القول بأن البيروقراطية في الدول النامية مرت بمرحلتين رئيستين الأولى عندما كانت الدول مرتبطة بالاستعمار ونظمه وقيمه من واقع الاحتلال التسلطي والقهري . وفي هذه المرحلة تم حجز الوظائف القيادية والهامة لإفراد معينين ، والمرحلة الثانية هي مرحلة تابعة للاستقلال حيث ورثت بيروقراطية الدول مهام وتبعات كبيرة وأعباء ثقيلة مستجدة لم تكن قادرة ولا مستعدة للوفاء بها ، فقد افتقرت تلك البيروقراطية للوسائل والأساليب الحديثة في الإدارة كما عجزت عن إحلال القيادات الإدارية المدربة القادرة المؤهلة محل القيادات السابقة التي كانت مرتبطة بالدول المهيمنة كما كان الحال في الجزائر والهند بعد الاستقلال وهكذا عاشت البيروقراطية ولا تزال في مرحلة ما بعد الاستقلال من مجموعة من الظواهر السلبية يمكن تلخيصها فيما يلي [1].

1-  التضخم في الجهاز الإداري ومردة كون الدولة هي الموظف الأول للكفاءات البشرية المتزايدة ، وقد انعكس التضخم على القطاع الخاص كذلك .

2-  تعدد مستويات التنظيمات الإدارية مما أدى إلى صعوبة في الاتصالات وزيادة الفجوة بين القمة والقاعدة وبطء في اتخاذ القرارات وتشويه وتحريف للسياسات والقرارات وتعدد أجهزة الرقابة واللجان الفرعية أدى هذا إلى تأخر العمل والتنازع في الاختصاصات .. الخ .

3-  التمسك بحرفية القوانين واللوائح والتحايل عليها وذلك لأن في تلك القوانين مصدر من مصادر القوة تستخدم بهدف السيطرة على المواطن بدلاً من تكريسها لخدمته والسهر على مصلحته ، وقد ساعد على ذلك جهل المواطن وعدم ثقته بنفسه ومحاولة موظفي الدولة الدفاع عن مصالحهم وتحقيق أهدافهم أولاً .

4-  الإسراف والتبذير وزيادة التكلفة الاقتصادية مع قلة الإنتاجية وقد صاحبة اهتمام بالمظهر دون الجوهر وانعكس على  استخدام الخبرات الأجنبية في محاولته للإصلاح ووضع المقترحات التي لا تؤخذ بعين الاعتبار في غالب الأحيان .

5-  يعاني الجهاز الإداري كذلك من كثير من الأمراض مثل : المحاباة والوساطة التي تعود إلى عوامل طائفية ومذهبية وحزبية وعشائرية مما يؤدي إلى ضعف الخلق الإداري المتمثل في الرشوة والمحسوبية وعدم المسئولية والكسب غير المشروع والاتجار بالوضع والاختلافات المتزايدة .. الخ .

6-  المركزية الشديدة في صنع القرارات وانعدام تفويض السلطة الأمر الذي يؤدي إلى ضعف الروح المعنوية لدى المرؤسين واختناق العمل وإضعاف الكفاءات الإدارية والتنازع والصراع وهجرة المؤهلين .

إهمال الأساليب العلمية وغياب التخطيط والتنظيم الجيد والتدريب الكفؤ سببه ضعف القيادات الإدارية غير القادرة وغير المؤهلة وذلك

7-    لانشغالها بالمشاكل اليومية الروتينية وبعدها عن الأهداف والسياسات  العامة .

البيروقراطية معيقة لإدارة التنمية .

إن الهجوم على البيروقراطية يمكن أن يقسم إلى ثلاثة أقسام هي :- 

أ‌-     نقد للملامح الرئيسية للبيروقراطية والتي يمكن معالجتها ببساطة مثل التسلسل في اتخاذ القرارات .... الخ .

ب‌-ينتقد البعض الآخر العلاقات الشخصية غير المرضية الناتجة عن الهياكل البيروقراطية مثل ميول الأشخاص في المستويات الهيداركية ومساهمة الفوارق بين المراتب في تشجيع المحاباة . وتشجيع مقاومة الإبداع وهذه الأخرى يمكن التغلب عليها دون إغفال البيروقراطية أو إهمالها .

ج-وهناك مجموعة ثالثة تعتقد بأن البيروقراطية لا تنسجم مع إدارة التنمية ولهذا يجب استبدالها بنموذج أو بديل آخر وقد أفاد بذلك تاوب في كتابه عن الإدارة الهندية ، إذ يرى أن بيروقراطية فبر لا تنطبق على بيئات الدولة النامية وذلك للآتي :-   

1- المهمات التي يجب القيام بها غير محددة وغير روتينية بما فيه الكفاية.

    2- لا تتوفر ضغوط خارجية كافية من خلال أيديولوجية أو حكم مطلق أو نخبة حاكمة تصدر أحكاماً قوية .

أما برنارد شيفر [2] فيعتد بأن البيروقراطية هي احد نماذج الإدارة وأنه في الدول النامية بفضل تطبيق نموذج غير بيروقراطي .

فالبيروقراطية في رأيه ليست نموذجاً للفاعلية والإنتاجية لأنها أكثر تركيزاً على الرقابة والاستقرار وليس على إنجازات البرامج ونتائجهما ولان البيروقراطية تميل إلى التقسيم والتخصص وتبسيط الإجراءات والوسائل وتنتهج وسيلة اتخاذ القرارات لا تنسجم مع مصالح الجمهور والمواطنين فهي أقل تقبلاً أو تحملاً في الدول النامية منها في الدول المتقدمة .

أما فيكتور توميسون [3] الذي لم يذكر البيروقراطية باسمها في احد مقالاته فقد تعرض إلى أمراض البيروقراطية والتأكيد على المؤسسات الهيراركية ولكنه يعتقد بأن مبادئ الإدارة والتنظيم السائدة في الدول الغربية المتقدمة تقنياً يجب أن لا تنطبق في الدول النامية .

هذه الآراء التي تطرح حول البيروقراطية في الدول النامية عجز أصحابها عن توضيح البديل الذي سيحل محل النموذج البيروقراطي الذي يهاجمونه فلم يقترح تاوند أي بديل محدد ، ويعتقد شيفر انه لا يوجد حل سهل لهذه المشكلة ، أما توميسون فيعدد شروطاً لتحقيق ذلك النوع من الإدارة الذي يريد أن يراه في الدول النامية والذي من شأنه أن يتجنب عملية تقليد النماذج الغربية الملائمة للتطبيق لم يجر وضع بديل واضح وملائم لهذا النموذج ولكن الآن النموذج المثالي هو نموذج اللجان الشعبية .. الخ .


[1] - البيروقراطية بين الاستمرارية والزوال ، د. فيصل فخري مرار . ص 58 .
[2] - البيروقراطية بين الاستمرارية والزوال ، د. فيصل فخري مرار ، ص 60 .
[3] - البيروقراطية بين الاستمرارية والزوال ، د. فيصل فخري مرار ، ص 61 .

New Page 1