New Page 1
  مواقع مفيدة | القذافي يتحدث أكاديمية الداسات العليا اللجنة الشعبية العامة
 

الإنسان تحت وطأة العولمة
مفاهيم وأدوات العولمة - البعد الاقتصادي

إن ما يشهده الاقتصاد العالمي من انهيار المعسكر الشرقي أو حلف وارسو ونهاية الحرب الباردة ، واختفاء كل مبررات إهدار الموارد في سباق التسلح والتجسس وتقويض العدو والتصادم الإيديولوجي بين العملاقين ، يستحق وقفة تأمل وتحليل لما سيكون عليه المستقبل ، وكيف سيدار الاقتصاد ؟ وبمن ؟ ولمصلحة من ستتقاسم نتائجه ؟ وكيف ستوزع عوائده ؟

إن كل التغييرات بالغة الأهمية في مجال الاقتصاد ، وقد استهدفت في نهايتها ظهور ما يسمى بالنظام الاقتصادي العالمي الجديد " العولمة " ، والذي تميز بظاهرتي العولمة والاندماج . وتتمثل العولمة في تعاظم حرية انتقال الأنشطة الاقتصادية والتجارة والتدفقات الرأسمالية والاستثمارات  عبر الحدود لتحول الأسواق المالية المتعددة والمختلفة إلى سوق موحدة ومتجانسة ، تعمل من خلالها الفعاليات الاقتصادية تحت مظلة واحدة من الأنظمة والتشريعات والمبادئ ، وهي أنظمة وتشريعات ومبادئ النظام الاقتصادي الرأسمالي بالطبع . حيث ظهرت العولمة كمعطية أساسية نتيجة لانهيار النظام الاقتصادي المستند على مركزية التخطيط الاقتصادي الذي كان قائماً في الاتحاد السوفيتي سابقاً ودول أوروبا الشرقية ، وتحول اقتصادياتها إلى العمل بآلية السوق .

ولقد قادت هذه الظاهرة ، والتي يدعى بأنها ستحقق التنمية والرفاه الاجتماعي إلى :

أولاً : عولمة الأزمات الاقتصادية ، إذ أن حدوث أية أزمة اقتصادية على المستوى القطري أو الإقليمي أصبحت تأخذ بعداً أوسع من ذلك لتشمل الاقتصاد العالمي برمته . وإن هذا الخطر سيصبح قاتلاً إذا ما ظهرت هذه الأزمة في الدول الصناعية المتطورة ، والتي تمثل قلب وقيادة النظام الرأسمالي " أساس ما يسمى النظام العالمي الاقتصادي الجديد " ، وهذا ما يحدث اليوم في اليابان .

ثانياً : الثمن الاجتماعي الذي يصاحبها في الغالب ، والذي تقع أعباؤه على الطبقات الفقيرة في المجتمع . فالعولمة وما تنطوي عليه من سياسات انفتاحية وتحرير التجارة وتغيرات هيكلية لتكييف الاقتصاد الوطني مع الاقتصاد العالمي ترتب عليها ظهور بعض المشاكل ، مثل زيادة مستويات البطالة – انخفاض المستوى المعيشي للفئات الدنيا والوسطى في المجتمع .

أما الظاهرة الثانية لهذا النظام فهي الاندماج : وهو يعني انصهار الأسواق المحلية المالية والسلعية والخدمية والعمالة في سوق واحدة وإزالة تامة للحواجز والقيود وتوحيد للمعايير والمواصفات والأنظمة الاقتصادية . فتسارع ظاهرتي العولمة والاندماج في مجالات التصنيع ، جعل الإنتاج داخل الحدود الوطنية يعتمد على الطلب في الأسواق الأخرى بالدرجة الأولى .

وتعتبر التكتلات الاقتصادية والإقليمية من أكثر الظواهر المرافقة للاندماج الاقتصادي ، حيث رافق تكامل الأسواق العالمي ظهور تكتلات اقتصادية عملاقة سوف تتوسع لالتهام مناطق النفوذ الضعيفة غير القادرة على المنافسة ، والعاجزة عن خلق تكتل اقتصادي جماعي مثل الأقطار العربية ، فظهرت السوق الأوروبية المشتركة والشراكة الاقتصادية مع دول جنوب البحر المتوسط وأفريقيا ( مؤتمر برشلونة عام 1995ف ) ، ومحاولة توسعها شرقاً باتجاه دول أوروبا الشرقية . ودول نافتا ( اتفاقية التجارة الحرة لدول أمريكا الشمالية ) ،و توسعها جنوباً إلى دول البحر الكاريبي وأمريكا اللاتينية والجنوبية ، وغرباً ضمن مجموعة الدول المطلة على المحيط الهادي . ودول مجموعة جنوب شرق آسيا والتي تحاول تعزيز تعاونها مع الكتل الاقتصادية الأخرى ، والتي كان أخرها القمة الاقتصادية الأوروبية الآسيوية ( بانكوك 1996ف ) .

وبالرغم من كل الادعاءات والاطروحات التي يبشر بها هذا النظام الاقتصادي العالمي الجديد ، والذي يدعى المروجين له بأنه سيحقق التنمية المفقودة أو المتعثرة ، وسيضيق الهوة بين الدول المتقدمة والدول النامية ، وسيصهر المجتمع البشري في دولة عالمية ناعمة بالرفاه الاقتصادية ، وخالية من الضغائن والأحقاد الطبقية ، فان وللأسف مازال عالمنا اليوم يعاني أزمات اقتصادية واجتماعية حادة وعميقة تهدد باختلال حقيقي في التوازن وتهديد أمن وسلامة المجتمعات البشرية برمتها . ولقد تمثلت هذه المشاكل في تدني مستويات الدخول وارتفاع عدد الفقراء الذي تجاوز البليون نسمة ، وازدياد عدد العاطلين عن العمل ، واتساع الهوة بين الدخول ،و ارتفاع حجم ديون الشعوب النامية والدول غير الصناعية ، مما أدى إلى انخفاض مستويات المعيشة فيها وعرقلة مستهدفات التنمية الاقتصادية الهائلة التي تزخر بها كرتنا الأرضية ، والتي تنقصها علاقات اقتصادية واجتماعية تحقق المزيد من التقدم المادي والعدالة في توزيع الدخل ، وذلك من خلال البحث عن نظام اقتصادي جديد .

أما الادعاء بأن العولمة قد أنهت الحرب الباردة وحققت السلام بدل الحروب والتعاون بدل التصادم ، فان الحقيقة هي أن الحرب الباردة الكبرى لم تنهى الحروب الصغرى الساخنة. بل على العكس وفّرت لها فرصاً ومساحات للتمدد والاشتعال . ويمكن تعداد ما يزيد على خمسين صراعاً مسلحاً في الوقت الحاضر ، لدرجة أن كتاب " فيليب دلماس "  الذي سجل منذ ثلاثة سنوات رقماً قياسياً في المبيعات كان عنوانه ( مستقبل الحرب الزاهر ) .

ولا نغالي إذ أكدنا أن النظام العالمي المتوازن منضبط إلى حد ما ، على خلاف النظام العالمي الجديد المنفلت إلى حد كبير ، مما أدى بـ " آلان نك "  إلى وصفه بأنه شبيه الوسطى في كتابه ( العصور الوسطى الجديدة ) .

إن الخطر الذي تمثله العولمة هو انتصار التكنولوجيا على الإيديولوجيا ، والذي نفهمه بأنه انتصار أخلاق السوق على علاقات السوق ، وبناء اقتصاد تحكمه قيم السوق بدل بناء مجتمع يسخرها لصالح القيم الإنسانية النبيلة ، وجعل حياة الإنسان أكثر احتراماً .

إن اقتصاد السوق يدعي بأنه يحقق التنمية التي تحقق الرفاهية للإنسان . ولكن الحقيقة التي أصبحت واضحة هي أن العولمة قد شكلت خطراً على القيم الإنسانية وخطراً على التنمية في ذات الوقت .

إن علما التنمية يؤكدون على جملة من الأسئلة والحقائق الهامة هي :

1-   أنه ليس للتنمية طريق واحد فقط ونظرية واحدة " الرأسمالية " .

2-   إن التنمية ليست بضاعة يمكن استيرادها من أسواق الدول الصناعية .

3-   هل التنمية مرغوبة دائماً  وبأي ثمن ، حتى لو كانت لصالح القلة على حساب سعادة الأغلبية ؟

4-   ما علاقة العولمة بالتنمية ؟ وهل العولمة تجعل التنمية أكثر سهولة أو أكثر تعقيداً .

5- هل يمكن أن تحدث التنمية في إطار العولمة ، أم أن العولمة سباق لا يقدر عليه إلا الأغنياء على مستوى الدول والأفراد .

انعكاسات النظام الاقتصادي الحالي على المجتمعات النامية :

لقد أثبتت كل الدراسات التي أجريت بعد سيطرة النظام الاقتصادي الحالي " الرأسمالي " أن الدول النامية ، والتي تمثل أغلبية سكان الكرة الأرضية لا تحقق أي فائدة من الأشكال الحالية للنمو الاقتصادي . إذ لا يزال ثلث هذه الدول ( أي حوالي 1.3 مليار ) يعيشون تحت خط الفقر ، ولا تتجاوز دخولهم اليومية أكثر من دولار في اليوم للفرد الواحد .

كما أثبتت الدراسات التي أصدرها برنامج الأمم المتحدة للتنمية في تقاريره السنوية الأخيرة ، أن هناك اختلال حقيقي في التوازن بين التنمية الاقتصادية والنمو السكاني ، وذلك نتيجة لفشل العلاقات الاقتصادية الحالية في إعادة توزيع الدخول ، وتجاهل الاحتياجات الأساسية وتفضيل الإنفاق المدمر وغير المجدي على الانفاقات الضرورية والملحة .

إذ تنفق حصص كبيرة من تلك الدخول على برامج التسليح وبناء المراكز الخدمية الترفيهية والحديثة لصالح النخبة المهيمنة في حين يتم تجاهل وعدم الاهتمام بالضمان الاجتماعي – المياه النظيفة – البنى التحتية – الخدمات الصحية والتعليمية.

كما تؤكد هذه التقارير على أن النمو الاقتصادي لا يمكن أن ينعكس ايجابياً على التنمية البشرية إلا إذا توافق مع تامين الاحتياجات الأساسية : العمل والأمن الغذائي والمشاركة الديمقراطية والتوزيع العادل للثروات والتكامل الاجتماعي والاغناء الثقافي والتنمية المستديمة للأجيال القادمة.

إن تطبيق نماذج النمو الحالية في الوطن العربي أدى إلى ارتفاع دخل الفرد بمعدل 3% سنوياً بين عامي 1960 -1993 ف ، في الوقت الذي حظيت المنطقة العربية باكتشاف ضخمة للنفط والغاز والمواد الأولية الأخرى .

كما أن الوطن العربي يحتضن 73 مليون فقير ، وعشرة ملايين يعانون من سوء التغذية ، وستون مليون أمي . و 50% فقط من سكان الريف يحصلون على مياه صالحة للشرب ، و 30% على الخدمات الصحية الأساسية .

·   جنوب شرق آسيا والمحيط الهادي : يحصل 550% فقط من سكان الريف على مياه الشرب . في حين 59% محرومون من الخدمات الصحية الأساسية . وتبلغ وفيات الأمهات الحوامل أو لدى الولادة 422 وفاة من كل 100 ألف ولادة حية .

·   أفريقيا  وجنوب الصحراء الكبرى : فخلال الأعوام الثلاثين الماضية ، ارتفعت النفقات العسكرية مقارنة بالنفقات الاجتماعية من 27% إلى 43% . كما يوجد في هذه المنطقة 215 مليون فقير و 170 مليون طفل يعانون من المجاعة ، و 120 مليون بالغ أمي ، وأكثر من 80 مليون طفل يعملون ، و 929 امرأة يتوفين بسبب الوضع من كل مئة ألف ولادة حية . كما يتوفر طبيب لكل 18 ألف نسمة مقابل طبيب لكل 340 نسمة في الدول الصناعية . كما أن 1.3 مليون هكتار من الأراضي الزراعية تتحول إلى أراضي صحراوية كل عام .

·   أمريكا اللاتينية / الكاريبي : ارتفع إجمالي الناتج بأكثر من 80% خلال العشرين عاماً 150 مليون فقير وأكثر من ستة ملايين طفل يعانون من سوء التغذية . 56% من سكان الريف يحصلون على مياه الشرب . 180 أم يتوفين بسبب الوضع من كل مئة ألف ولادة حية . أقل من نصف الأطفال فقط الذين يدخلون إلى المدرسة يتمكنون من إكمال الدراسة الابتدائية . 10-52% من الأطفال يعملون .

·   الدول الصناعية : إجمالي الناتج الوطني الحقيق للفرد زاد بمعدل أكثر من 3% سنوياً بين 1960و 1993 ف . أكثر من مئة مليون فقير وأكثر من خمسة ملايين بلا مأوى ، وأكثر من 30 مليون عاطل عن العمل .

·   آسيا الجنوبية : ارتفع إجمالي الناتج الداخلي بمعدل أكثر من 5% سنوياً منذ 1980 ، مقابل ارتفاع إجمالي الناتج الداخلي للفرد بمعدل 3% . بلغ إجمالي النفقات العسكرية 14 مليار دولار في العام 1994ف .

560 مليون فقير ، أي حوالي نصف عدد الفقراء في العالم . ويعاني 600 مليون من سوء التغذية و 250 مليوناً من نقص مياه الشرب و 850 مليوناً من انعدام التجهيزات الصحية . ويعاني ثلث المواليد من نقص الوزن ، ويعاني 8% من الحوامل من فقر الدم ، و 48 مليون طفل لا يذهبون إلى المدرسة .

أما بالنسبة لعمالة الأطفال ، فيصل عدد الأطفال الذين يعملون في الهند إلى ما بين 14 مليوناً ومئة مليون طفل ، وفي الباكستان ما بين مليونين و 19 مليوناً . وفي بنغلاديش بين 5 ملايين و 15 مليون طفل .

·        آسيا الشرقية : ارتفع دخل الفرد منذ العام 1960ف بمعدل أكثر من 5% سنوياً وهو الأعلى في العالم .

170 مليون فقير وأكثر من مليون طفل وطفلة لا يحصلون على التعليم الابتدائي  . وهناك مليون امرأة أمية .

إن ما يجري اليوم ما هو إلا عبارة عن محاولة للبحث عن سياسات مضادة للازمة في العالم الرأسمالي ، والتي تجسدت في فقدان فرص العمل وإلغاء الضمان الاجتماعي وارتفاع الأسعار .

إن السياسات التوسعية ، والتي يروج لها تحت ا يسمى بالنظام العالمي الجديد هي في حقيقتها سياسات تتجه أساساً للبحث عن فائض قيمة تاريخي جديد ، تستعين به الرأسمالية المعاصرة في حل مأزقها التاريخي ، والذي سوف يكون هذه المرة أكثر عدوانية وأكثر احتشاماً في نفس الوقت ، حيث أن العولمة والاندماج سوف تؤدي إلى تدمير الصناعية الناشئة للدول النامية ، وتمس بالسيادة الوطنية والأمن الوطني والقومي لتلك الدول ، وتفقدها الرقابة على الاستثمارات الأجنبية ، وتشل تأثيرها على السياسات النقدية الوطنية .

إن ما يسمى النظام الاقتصادي العالمي الجديد ما هو إلا عبارة عن احتلال جديد يستهدف السيطرة على ثروات الشعوب لتتجاوز الرأسمالية مأزقها الجديد . نحن علينا أن نحاول تقديم تحليل أو تعليل مفاهيمي أو إيديولوجي ، أو بمعنى أخر تتبع معاكس للنظام الاقتصادي الحالي حتى نصل إلى منطلقاته الفلسفية لنعرف انعكاساته على الإنسانية .

وهل هذا الوضع الاقتصادي الحالي هو جديد حقاً ؟ أم هو قديم سيطر على العالم بعد انتصاره على النظام الشمولي في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق ؟

إن المبررات التي كانت تطرح في مواجهة الأنظمة الشمولية ، والتي أدت إلى تعميم ما يسمى بالنظام الاقتصادي العالمي الجديد هو فشلها في إحداث تنمية والإسراع في عمليات النمو . وتعزو أسباب هذا الفشل إلى سيطرة الملكية الاحتكارية العامة وتأزم الإدارة المركزية البيروقراطية . ولكنه وللأسف فإن النظام الاقتصادي الحالي لا يتحدث مطلقاً عن معالجة هذه المشاكل ، حيث أدى اتساع تطبيقه إلى تجاهل كامل للتكلفة الاجتماعية لعمليات التحول بدقة في الوقت الذي يجب أن تستهدف عمليات النمو دائماً الناس ، ولا يجب أن يتحول النمو إلى هدف في حد ذاته أو لخدمة المرفهة من المجتمع .

إن النظام الاقتصادي الحالي يتعارض حتى مع المفهوم الكلاسيكي لعملية النمو في المجتمع ، الذي يجب أن يؤدي بالضرورة إلى توسع الطبقة الوسطى ، لأنها هي المساهم الرئيسي في النمو . أما الآن يحدث العكس حيث سحقت الطبقة الوسطى لحساب الطبقة العليا فيه . إذ وسعت الطبقة السفلى على حساب الطبقة الوسطى في المجتمعات التي تجري فيها ما يسمى بالإصلاحات الاقتصادية  .

إن المعضلة التي واجهت كل المحاولات التاريخية للخروج من حالة التأزم ، ودفعت إلى البحث عن نظام اقتصادي عالمي جديد هو ما اصطلح على تسميته بأزمة " الركود التضخمي " ، بمعنى تعايش البطالة مع التضخم وما نتج عن هذه الحالة من مشاكل أخرى لاحقة .

أي أن المشكلة الاقتصادية المركبة هي صعوبة الموائمة أو التوفيق بين الكفاءة الاقتصادية ، ومن ثم النمو والرخاء الاقتصادي ، والذي احد شروطه التوظيف الكامل . ففي الوقت الذي قفز فيه النموذج الرأسمالي خطوات معتبره في طريق النمو ، تجاهل مضطراً الرفاه الاقتصادي والمساواة والعجالة الاجتماعية ، مما أدى إلى تسخير نتاج التنمية لصالح النخبة المحدودة على حساب الشرائح العريضة في المجتمع .

وفي الوقت الذي حاول فيه النموذج السوفيتي الرد على ذلك بالقضاء على البطالة وتحقيق المساواة والعدل الاجتماعي ، فشل فشلاً ذريعاً في الإسراع بوتيرة التنمية ، مما اضطره إلى الوقوف في منتصف الطريق معلناً عن إفلاسه في مواصلة مسيرته .

والسؤال المطروح اليوم هو هل أن الكفاءة لا يمكن تحقيقها إلا بتبني النموذج الرأسمالي وآليات السوق ؟ وهل أن دولة الرفاه لا يمكن لها أن تتحقق إلا بنموذج القطاع العام ؟ وهل يمكن لنا أن نتبنى نهجاً جديداً يمكن أن يوآم بين مفهوم الرفاه والكفاءة في وقت واحد ؟

إن ما يطرحه الكتاب الأخضر هو محاولة جادة للإجابة على هذه المعضلات التي قادت العالم إلى تأزمات حادة ، قادته إلى حروب كونية وإقليمية ، وأنتجت العنف والتناحر وولدت التكتلات والأحلاف . حيث نرى نحن في الجماهيرية أن المشكلة الحقيقية هي ليست نقل الملكية من يد إلى أخرى ، أو من طبقة إلى أخرى ، أو بنقلها إلى المجتمع برمته تحت مظلة الملكية العامة الحكومية . ولكن المشكلة الحقيقية هي من يتصرف في عوائد الإنتاج ، وهذا هو ما نشاهده اليوم ، فبالرغم من انتقال الملكية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين ، فان مشكلتي البطالة والتخضم وتباطؤ النمو مازالتا قائمتين حتى وقتنا هذا ، لان القوة الشرائية للمنتجين ليست متوافقة مع حجم إنتاجهم ، ومن ثم يظهر عجزهم في استهلاك ما ينتجونه مما يقودنا إلى التضخم في النظام الرأسمالي .

إن ما تطرحه الفلسفة الاشتراكية الشعبية هي أن تتحول الملكية الحكومية العامة إلى ملكية شعبية ، وتختفي الملكية الخاصة الاستغلالية للتحول إلى ملكية الشركاء العاملين في تلك المشاريع الخدمية أو الإنتاجية . وبهذا فإنه سوف تعالج مضلات البطالة والتضخم ، حيث يتحول المجتمع إلى مجتمع إنتاجي بالكامل ، ليختفي الاحتكار الذي يقود إلى المضاربة في الأسعار وتختفي الحواجز بين المنتجين والمستهلكين بين من ينتج ومن يعود له الإنتاج ، وينتهي الاحتكار البيروقراطي المميت والاستغلال القاتل وتتحقق أهداف الاشتراكية الشعبية والمتمثلة في الأتي :

1-  القضاء على احتكار الدولة واحتكار الطبقة ، وذلك بتوسيع قاعدة الملكية ، بحيث تملك المشاريع الإنتاجية والخدمية للعاملين فيها ، ويحق لبقية أفراد المجتمع أن يشاركوا في ملكية تلك المشاريع بأموالهم ، وذلك على أن تحدد نسبة الملكية بحيث لا تتجاوز الحد الذي يشكل خطراً على العاملين في المشروع ، وسوف تقودنا هذه الحالة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية .

2-  تحويل المجتمع إلى مجتمع إنتاجي بالكامل ، إذ تلتغي في هذه الحالة ما يسمى بالبطالة المقنعة التي  أرهقت دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي سابقاً بسبب غياب الكفاءة الإنتاجية .

3-    الربط بين الحافز والإنتاج ( الذي ينتج هو الذي يستهلك ) .

4-    زيادة درجة إشباع الحاجات ، حيث يتوقف دخل الفرد على إنتاجيته .

5-  معالجة مشكلة تدني الكفاءة في الإدارة ، وتخصيص الموارد على صعيد المشروعات المملوكة للدولة ، حيث أن المشروعات الإنتاجية وتشغيل المرافق والخدمات بشكل تشاركي سيكون أكثر فاعلية وأقل تكلفة ، ولهذا فإن نموذج الاشتراكية الشعبية يستهدف ترشيد الأداء الاقتصادي بدل قصورها فقط على البعد السياسي .

6-  إن أزمة الملكية العامة هي أنها ملك للكل ، أي ملك لكل فرد في المجتمع وهي في ذات الوقت ليست ملكاً لأي فرد فيه . وإن الاشتراكية الشعبية هي تحويل الملكية العامة الاحتكارية أو الملكية الخاصة الاستغلالية إلى ملكيات عريضة لكل أفراد الشعب .

7-  إن الملكية العامة ليست بالضرورة هي دلالة على العدالة الاجتماعية أو التوجهات الاشتراكية ، حيث تنمو أحياناً العلاقات الرأسمالية بأكثر قوة تحت مظلة الملكية العامة ، ويظهر التناقض الصاروخ والازداوجية القائلة بين الخطاب والواقع ، وكذلك ليست بالضرورة أن علاقات السوق ستقود إلى النظام الرأسمالي .

وفي نهاية مشاركتي المتواضعة هذه أتسأل كما تسألت الايكونوميست في احد أعدادها :

هل يصبح العالم أفضل لو تسلم الاقتصاديون الحكم ؟ وهل فشل علم الاقتصاد ؟

ونسأل : هل يصبح العالم أفضل في ظل نظام العولمة ؟ إن العقد الأول الذي عاشه العالم في ظل العولمة يؤكد بطلان هذا الادعاء  وحيث أن الإنسان يتمسك دائماً بأي بصيص للأمل ، فإننا نتمنى أن تحقق العولمة ما يروج الآن لانتهجها حتى تكون نهاية التاريخ .

         كما يقول " فوكوياما " بالرغم من أن نهاية عقدها الأول قد أكد حقيقة معاكسة أثبتت تحليلات " كندي " في كتابة ( ولادة وانحطاط القوى العظمى ) ، وعمقت اليقين بما كتبه " صموئيل هنتغتون " حول صدام الحضارات . وما الدعوات التي برزت من جديد ، ومن أحشاء الدول الصناعية الرأسمالية ، بل ومن قادتها وعلى رأسهم " كلينتون " و" بلير " و " شيراك " حول ضرورة البحث عن طريق ثالث جديد ، يتصدى لمعضلات تباطؤ النمو والتضخم والبطالة والأزمات المالية ، واعترافهم بفشل النموذج الرأسمالي وإخفاق نهج عولمة الاقتصاد لان ذلك النهج عولم المشاكل وفشل في طرح حلول لها .      

New Page 1