|
الإنسان تحت وطأة العولمة
مفاهيم وأدوات العولمة - البعد الاقتصادي
إن ما يشهده الاقتصاد العالمي من انهيار المعسكر الشرقي أو حلف
وارسو ونهاية الحرب الباردة ، واختفاء كل مبررات إهدار الموارد في
سباق التسلح والتجسس وتقويض العدو والتصادم الإيديولوجي بين
العملاقين ، يستحق وقفة تأمل وتحليل لما سيكون عليه المستقبل ،
وكيف سيدار الاقتصاد ؟ وبمن ؟ ولمصلحة من ستتقاسم نتائجه ؟ وكيف
ستوزع عوائده ؟
إن كل التغييرات بالغة الأهمية في مجال الاقتصاد ، وقد استهدفت في
نهايتها ظهور ما يسمى بالنظام الاقتصادي العالمي الجديد " العولمة
" ، والذي تميز بظاهرتي العولمة والاندماج . وتتمثل العولمة في
تعاظم حرية انتقال الأنشطة الاقتصادية والتجارة والتدفقات
الرأسمالية والاستثمارات عبر الحدود لتحول الأسواق المالية
المتعددة والمختلفة إلى سوق موحدة ومتجانسة ، تعمل من خلالها
الفعاليات الاقتصادية تحت مظلة واحدة من الأنظمة والتشريعات
والمبادئ ، وهي أنظمة وتشريعات ومبادئ النظام الاقتصادي الرأسمالي
بالطبع . حيث ظهرت العولمة كمعطية أساسية نتيجة لانهيار النظام
الاقتصادي المستند على مركزية التخطيط الاقتصادي الذي كان قائماً
في الاتحاد السوفيتي سابقاً ودول أوروبا الشرقية ، وتحول
اقتصادياتها إلى العمل بآلية السوق .
ولقد قادت هذه الظاهرة ، والتي يدعى بأنها ستحقق التنمية والرفاه
الاجتماعي إلى :
أولاً : عولمة الأزمات الاقتصادية ، إذ أن حدوث أية أزمة
اقتصادية على المستوى القطري أو الإقليمي أصبحت تأخذ بعداً أوسع من
ذلك لتشمل الاقتصاد العالمي برمته . وإن هذا الخطر سيصبح قاتلاً
إذا ما ظهرت هذه الأزمة في الدول الصناعية المتطورة ، والتي تمثل
قلب وقيادة النظام الرأسمالي " أساس ما يسمى النظام العالمي
الاقتصادي الجديد " ، وهذا ما يحدث اليوم في اليابان .
ثانياً : الثمن الاجتماعي الذي يصاحبها في الغالب ، والذي
تقع أعباؤه على الطبقات الفقيرة في المجتمع . فالعولمة وما تنطوي
عليه من سياسات انفتاحية وتحرير التجارة وتغيرات هيكلية لتكييف
الاقتصاد الوطني مع الاقتصاد العالمي ترتب عليها ظهور بعض المشاكل
، مثل زيادة مستويات البطالة – انخفاض المستوى المعيشي للفئات
الدنيا والوسطى في المجتمع .
أما الظاهرة الثانية لهذا النظام فهي الاندماج : وهو يعني انصهار
الأسواق المحلية المالية والسلعية والخدمية والعمالة في سوق واحدة
وإزالة تامة للحواجز والقيود وتوحيد للمعايير والمواصفات والأنظمة
الاقتصادية . فتسارع ظاهرتي العولمة والاندماج في مجالات التصنيع ،
جعل الإنتاج داخل الحدود الوطنية يعتمد على الطلب في الأسواق
الأخرى بالدرجة الأولى .
وتعتبر التكتلات الاقتصادية والإقليمية من أكثر الظواهر المرافقة
للاندماج الاقتصادي ، حيث رافق تكامل الأسواق العالمي ظهور تكتلات
اقتصادية عملاقة سوف تتوسع لالتهام مناطق النفوذ الضعيفة غير
القادرة على المنافسة ، والعاجزة عن خلق تكتل اقتصادي جماعي مثل
الأقطار العربية ، فظهرت السوق الأوروبية المشتركة والشراكة
الاقتصادية مع دول جنوب البحر المتوسط وأفريقيا ( مؤتمر برشلونة
عام 1995ف ) ، ومحاولة توسعها شرقاً باتجاه دول أوروبا الشرقية .
ودول نافتا ( اتفاقية التجارة الحرة لدول أمريكا الشمالية ) ،و
توسعها جنوباً إلى دول البحر الكاريبي وأمريكا اللاتينية والجنوبية
، وغرباً ضمن مجموعة الدول المطلة على المحيط الهادي . ودول مجموعة
جنوب شرق آسيا والتي تحاول تعزيز تعاونها مع الكتل الاقتصادية
الأخرى ، والتي كان أخرها القمة الاقتصادية الأوروبية الآسيوية (
بانكوك 1996ف ) .
وبالرغم من كل الادعاءات والاطروحات التي يبشر بها هذا النظام
الاقتصادي العالمي الجديد ، والذي يدعى المروجين له بأنه سيحقق
التنمية المفقودة أو المتعثرة ، وسيضيق الهوة بين الدول المتقدمة
والدول النامية ، وسيصهر المجتمع البشري في دولة عالمية ناعمة
بالرفاه الاقتصادية ، وخالية من الضغائن والأحقاد الطبقية ، فان
وللأسف مازال عالمنا اليوم يعاني أزمات اقتصادية واجتماعية حادة
وعميقة تهدد باختلال حقيقي في التوازن وتهديد أمن وسلامة المجتمعات
البشرية برمتها . ولقد تمثلت هذه المشاكل في تدني مستويات الدخول
وارتفاع عدد الفقراء الذي تجاوز البليون نسمة ، وازدياد عدد
العاطلين عن العمل ، واتساع الهوة بين الدخول ،و ارتفاع حجم ديون
الشعوب النامية والدول غير الصناعية ، مما أدى إلى انخفاض مستويات
المعيشة فيها وعرقلة مستهدفات التنمية الاقتصادية الهائلة التي
تزخر بها كرتنا الأرضية ، والتي تنقصها علاقات اقتصادية واجتماعية
تحقق المزيد من التقدم المادي والعدالة في توزيع الدخل ، وذلك من
خلال البحث عن نظام اقتصادي جديد .
أما الادعاء بأن العولمة قد أنهت الحرب الباردة وحققت السلام بدل
الحروب والتعاون بدل التصادم ، فان الحقيقة هي أن الحرب الباردة
الكبرى لم تنهى الحروب الصغرى الساخنة. بل على العكس وفّرت لها
فرصاً ومساحات للتمدد والاشتعال . ويمكن تعداد ما يزيد على خمسين
صراعاً مسلحاً في الوقت الحاضر ، لدرجة أن كتاب " فيليب دلماس "
الذي سجل منذ ثلاثة سنوات رقماً قياسياً في المبيعات كان عنوانه (
مستقبل الحرب الزاهر ) .
ولا نغالي إذ أكدنا أن النظام العالمي المتوازن منضبط إلى حد ما ،
على خلاف النظام العالمي الجديد المنفلت إلى حد كبير ، مما أدى بـ
" آلان نك " إلى وصفه بأنه شبيه الوسطى في كتابه ( العصور الوسطى
الجديدة ) .
إن الخطر الذي تمثله العولمة هو انتصار التكنولوجيا على
الإيديولوجيا ، والذي نفهمه بأنه انتصار أخلاق السوق على علاقات
السوق ، وبناء اقتصاد تحكمه قيم السوق بدل بناء مجتمع يسخرها لصالح
القيم الإنسانية النبيلة ، وجعل حياة الإنسان أكثر احتراماً .
إن اقتصاد السوق يدعي بأنه يحقق التنمية التي تحقق الرفاهية
للإنسان . ولكن الحقيقة التي أصبحت واضحة هي أن العولمة قد شكلت
خطراً على القيم الإنسانية وخطراً على التنمية في ذات الوقت .
إن علما التنمية يؤكدون على جملة من الأسئلة
والحقائق الهامة هي :
1-
أنه ليس للتنمية طريق واحد فقط ونظرية
واحدة " الرأسمالية " .
2-
إن التنمية ليست بضاعة يمكن استيرادها من
أسواق الدول الصناعية .
3-
هل التنمية مرغوبة دائماً وبأي ثمن ،
حتى لو كانت لصالح القلة على حساب سعادة الأغلبية ؟
4-
ما علاقة العولمة بالتنمية ؟ وهل العولمة
تجعل التنمية أكثر سهولة أو أكثر تعقيداً .
5-
هل يمكن أن تحدث التنمية في إطار العولمة
، أم أن العولمة سباق لا يقدر عليه إلا الأغنياء على مستوى الدول
والأفراد .
انعكاسات النظام الاقتصادي الحالي على المجتمعات
النامية :
لقد أثبتت كل الدراسات التي أجريت بعد سيطرة النظام الاقتصادي
الحالي " الرأسمالي " أن الدول النامية ، والتي تمثل أغلبية سكان
الكرة الأرضية لا تحقق أي فائدة من الأشكال الحالية للنمو
الاقتصادي . إذ لا يزال ثلث هذه الدول ( أي حوالي 1.3 مليار )
يعيشون تحت خط الفقر ، ولا تتجاوز دخولهم اليومية أكثر من دولار في
اليوم للفرد الواحد .
كما أثبتت الدراسات التي أصدرها برنامج الأمم المتحدة للتنمية في
تقاريره السنوية الأخيرة ، أن هناك اختلال حقيقي في التوازن بين
التنمية الاقتصادية والنمو السكاني ، وذلك نتيجة لفشل العلاقات
الاقتصادية الحالية في إعادة توزيع الدخول ، وتجاهل الاحتياجات
الأساسية وتفضيل الإنفاق المدمر وغير المجدي على الانفاقات
الضرورية والملحة .
إذ تنفق حصص كبيرة من تلك الدخول على برامج التسليح وبناء المراكز
الخدمية الترفيهية والحديثة لصالح النخبة المهيمنة في حين يتم
تجاهل وعدم الاهتمام بالضمان الاجتماعي – المياه النظيفة – البنى
التحتية – الخدمات الصحية والتعليمية.
كما تؤكد هذه التقارير على أن النمو الاقتصادي لا يمكن أن ينعكس
ايجابياً على التنمية البشرية إلا إذا توافق مع تامين الاحتياجات
الأساسية : العمل والأمن الغذائي والمشاركة الديمقراطية والتوزيع
العادل للثروات والتكامل الاجتماعي والاغناء الثقافي والتنمية
المستديمة للأجيال القادمة.
إن تطبيق نماذج النمو الحالية في الوطن العربي أدى إلى ارتفاع دخل
الفرد بمعدل 3% سنوياً بين عامي 1960 -1993 ف ، في الوقت الذي حظيت
المنطقة العربية باكتشاف ضخمة للنفط والغاز والمواد الأولية الأخرى
.
كما أن الوطن العربي يحتضن 73 مليون فقير ، وعشرة ملايين يعانون من
سوء التغذية ، وستون مليون أمي . و 50% فقط من سكان الريف يحصلون
على مياه صالحة للشرب ، و 30% على الخدمات الصحية الأساسية .
·
جنوب شرق آسيا والمحيط الهادي
: يحصل 550% فقط من سكان الريف على مياه الشرب . في حين 59%
محرومون من الخدمات الصحية الأساسية . وتبلغ وفيات الأمهات الحوامل
أو لدى الولادة 422 وفاة من كل 100 ألف ولادة حية .
·
أفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى : فخلال الأعوام الثلاثين الماضية ، ارتفعت
النفقات العسكرية مقارنة بالنفقات الاجتماعية من 27% إلى 43% . كما
يوجد في هذه المنطقة 215 مليون فقير و 170 مليون طفل يعانون من
المجاعة ، و 120 مليون بالغ أمي ، وأكثر من 80 مليون طفل يعملون ،
و 929 امرأة يتوفين بسبب الوضع من كل مئة ألف ولادة حية . كما
يتوفر طبيب لكل 18 ألف نسمة مقابل طبيب لكل 340 نسمة في الدول
الصناعية . كما أن 1.3 مليون هكتار من الأراضي الزراعية تتحول إلى
أراضي صحراوية كل عام .
·
أمريكا اللاتينية / الكاريبي :
ارتفع إجمالي الناتج بأكثر من 80% خلال العشرين عاماً 150 مليون
فقير وأكثر من ستة ملايين طفل يعانون من سوء التغذية . 56% من سكان
الريف يحصلون على مياه الشرب . 180 أم يتوفين بسبب الوضع من كل مئة
ألف ولادة حية . أقل من نصف الأطفال فقط الذين يدخلون إلى المدرسة
يتمكنون من إكمال الدراسة الابتدائية . 10-52% من الأطفال يعملون .
·
الدول الصناعية
: إجمالي الناتج الوطني الحقيق للفرد زاد بمعدل أكثر من 3% سنوياً
بين 1960و 1993 ف . أكثر من مئة مليون فقير وأكثر من خمسة ملايين
بلا مأوى ، وأكثر من 30 مليون عاطل عن العمل .
·
آسيا الجنوبية :
ارتفع إجمالي الناتج الداخلي بمعدل أكثر من 5% سنوياً منذ 1980 ،
مقابل ارتفاع إجمالي الناتج الداخلي للفرد بمعدل 3% . بلغ إجمالي
النفقات العسكرية 14 مليار دولار في العام 1994ف .
560 مليون فقير ، أي حوالي نصف عدد الفقراء في العالم . ويعاني 600
مليون من سوء التغذية و 250 مليوناً من نقص مياه الشرب و 850
مليوناً من انعدام التجهيزات الصحية . ويعاني ثلث المواليد من نقص
الوزن ، ويعاني 8% من الحوامل من فقر الدم ، و 48 مليون طفل لا
يذهبون إلى المدرسة .
أما بالنسبة لعمالة الأطفال ، فيصل عدد الأطفال الذين يعملون في
الهند إلى ما بين 14 مليوناً ومئة مليون طفل ، وفي الباكستان ما
بين مليونين و 19 مليوناً . وفي بنغلاديش بين 5 ملايين و 15 مليون
طفل .
·
آسيا الشرقية :
ارتفع دخل الفرد منذ العام 1960ف بمعدل أكثر من 5% سنوياً وهو
الأعلى في العالم .
170 مليون فقير وأكثر من مليون طفل وطفلة لا يحصلون على التعليم
الابتدائي . وهناك مليون امرأة أمية .
إن ما يجري اليوم ما هو إلا عبارة عن محاولة للبحث عن سياسات مضادة
للازمة في العالم الرأسمالي ، والتي تجسدت في فقدان فرص العمل
وإلغاء الضمان الاجتماعي وارتفاع الأسعار .
إن السياسات التوسعية ، والتي يروج لها تحت ا يسمى بالنظام العالمي
الجديد هي في حقيقتها سياسات تتجه أساساً للبحث عن فائض قيمة
تاريخي جديد ، تستعين به الرأسمالية المعاصرة في حل مأزقها
التاريخي ، والذي سوف يكون هذه المرة أكثر عدوانية وأكثر احتشاماً
في نفس الوقت ، حيث أن العولمة والاندماج سوف تؤدي إلى تدمير
الصناعية الناشئة للدول النامية ، وتمس بالسيادة الوطنية والأمن
الوطني والقومي لتلك الدول ، وتفقدها الرقابة على الاستثمارات
الأجنبية ، وتشل تأثيرها على السياسات النقدية الوطنية .
إن ما يسمى النظام الاقتصادي العالمي الجديد ما هو إلا عبارة عن
احتلال جديد يستهدف السيطرة على ثروات الشعوب لتتجاوز الرأسمالية
مأزقها الجديد . نحن علينا أن نحاول تقديم تحليل أو تعليل مفاهيمي
أو إيديولوجي ، أو بمعنى أخر تتبع معاكس للنظام الاقتصادي الحالي
حتى نصل إلى منطلقاته الفلسفية لنعرف انعكاساته على الإنسانية .
وهل هذا الوضع الاقتصادي الحالي هو جديد حقاً ؟ أم هو قديم سيطر
على العالم بعد انتصاره على النظام الشمولي في أوروبا الشرقية
والاتحاد السوفيتي السابق ؟
إن المبررات التي كانت تطرح في مواجهة الأنظمة الشمولية ، والتي
أدت إلى تعميم ما يسمى بالنظام الاقتصادي العالمي الجديد هو فشلها
في إحداث تنمية والإسراع في عمليات النمو . وتعزو أسباب هذا الفشل
إلى سيطرة الملكية الاحتكارية العامة وتأزم الإدارة المركزية
البيروقراطية . ولكنه وللأسف فإن النظام الاقتصادي الحالي لا يتحدث
مطلقاً عن معالجة هذه المشاكل ، حيث أدى اتساع تطبيقه إلى تجاهل
كامل للتكلفة الاجتماعية لعمليات التحول بدقة في الوقت الذي يجب أن
تستهدف عمليات النمو دائماً الناس ، ولا يجب أن يتحول النمو إلى
هدف في حد ذاته أو لخدمة المرفهة من المجتمع .
إن النظام الاقتصادي الحالي يتعارض حتى مع المفهوم الكلاسيكي
لعملية النمو في المجتمع ، الذي يجب أن يؤدي بالضرورة إلى توسع
الطبقة الوسطى ، لأنها هي المساهم الرئيسي في النمو . أما الآن
يحدث العكس حيث سحقت الطبقة الوسطى لحساب الطبقة العليا فيه . إذ
وسعت الطبقة السفلى على حساب الطبقة الوسطى في المجتمعات التي تجري
فيها ما يسمى بالإصلاحات الاقتصادية .
إن المعضلة التي واجهت كل المحاولات التاريخية للخروج من حالة
التأزم ، ودفعت إلى البحث عن نظام اقتصادي عالمي جديد هو ما اصطلح
على تسميته بأزمة " الركود التضخمي " ، بمعنى تعايش البطالة مع
التضخم وما نتج عن هذه الحالة من مشاكل أخرى لاحقة .
أي أن المشكلة الاقتصادية المركبة هي صعوبة الموائمة أو التوفيق
بين الكفاءة الاقتصادية ، ومن ثم النمو والرخاء الاقتصادي ، والذي
احد شروطه التوظيف الكامل . ففي الوقت الذي قفز فيه النموذج
الرأسمالي خطوات معتبره في طريق النمو ، تجاهل مضطراً الرفاه
الاقتصادي والمساواة والعجالة الاجتماعية ، مما أدى إلى تسخير نتاج
التنمية لصالح النخبة المحدودة على حساب الشرائح العريضة في
المجتمع .
وفي الوقت الذي حاول فيه النموذج السوفيتي الرد على ذلك بالقضاء
على البطالة وتحقيق المساواة والعدل الاجتماعي ، فشل فشلاً ذريعاً
في الإسراع بوتيرة التنمية ، مما اضطره إلى الوقوف في منتصف الطريق
معلناً عن إفلاسه في مواصلة مسيرته .
والسؤال المطروح اليوم هو هل أن الكفاءة لا يمكن تحقيقها إلا بتبني
النموذج الرأسمالي وآليات السوق ؟ وهل أن دولة الرفاه لا يمكن لها
أن تتحقق إلا بنموذج القطاع العام ؟ وهل يمكن لنا أن نتبنى نهجاً
جديداً يمكن أن يوآم بين مفهوم الرفاه والكفاءة في وقت واحد ؟
إن ما يطرحه الكتاب الأخضر هو محاولة جادة للإجابة على هذه
المعضلات التي قادت العالم إلى تأزمات حادة ، قادته إلى حروب كونية
وإقليمية ، وأنتجت العنف والتناحر وولدت التكتلات والأحلاف . حيث
نرى نحن في الجماهيرية أن المشكلة الحقيقية هي ليست نقل الملكية من
يد إلى أخرى ، أو من طبقة إلى أخرى ، أو بنقلها إلى المجتمع برمته
تحت مظلة الملكية العامة الحكومية . ولكن المشكلة الحقيقية هي من
يتصرف في عوائد الإنتاج ، وهذا هو ما نشاهده اليوم ، فبالرغم من
انتقال الملكية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين ، فان مشكلتي
البطالة والتخضم وتباطؤ النمو مازالتا قائمتين حتى وقتنا هذا ، لان
القوة الشرائية للمنتجين ليست متوافقة مع حجم إنتاجهم ، ومن ثم
يظهر عجزهم في استهلاك ما ينتجونه مما يقودنا إلى التضخم في النظام
الرأسمالي .
إن ما تطرحه الفلسفة الاشتراكية الشعبية هي أن تتحول الملكية
الحكومية العامة إلى ملكية شعبية ، وتختفي الملكية الخاصة
الاستغلالية للتحول إلى ملكية الشركاء العاملين في تلك المشاريع
الخدمية أو الإنتاجية . وبهذا فإنه سوف تعالج مضلات البطالة
والتضخم ، حيث يتحول المجتمع إلى مجتمع إنتاجي بالكامل ، ليختفي
الاحتكار الذي يقود إلى المضاربة في الأسعار وتختفي الحواجز بين
المنتجين والمستهلكين بين من ينتج ومن يعود له الإنتاج ، وينتهي
الاحتكار البيروقراطي المميت والاستغلال القاتل وتتحقق أهداف
الاشتراكية الشعبية والمتمثلة في الأتي :
1-
القضاء على احتكار الدولة واحتكار الطبقة
، وذلك بتوسيع قاعدة الملكية ، بحيث تملك المشاريع الإنتاجية
والخدمية للعاملين فيها ، ويحق لبقية أفراد المجتمع أن يشاركوا في
ملكية تلك المشاريع بأموالهم ، وذلك على أن تحدد نسبة الملكية بحيث
لا تتجاوز الحد الذي يشكل خطراً على العاملين في المشروع ، وسوف
تقودنا هذه الحالة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية .
2-
تحويل المجتمع إلى مجتمع إنتاجي بالكامل
، إذ تلتغي في هذه الحالة ما يسمى بالبطالة المقنعة التي أرهقت
دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي سابقاً بسبب غياب الكفاءة
الإنتاجية .
3-
الربط بين الحافز والإنتاج ( الذي ينتج
هو الذي يستهلك ) .
4-
زيادة درجة إشباع الحاجات ، حيث يتوقف
دخل الفرد على إنتاجيته .
5-
معالجة مشكلة تدني الكفاءة في الإدارة ،
وتخصيص الموارد على صعيد المشروعات المملوكة للدولة ، حيث أن
المشروعات الإنتاجية وتشغيل المرافق والخدمات بشكل تشاركي سيكون
أكثر فاعلية وأقل تكلفة ، ولهذا فإن نموذج الاشتراكية الشعبية
يستهدف ترشيد الأداء الاقتصادي بدل قصورها فقط على البعد السياسي .
6-
إن أزمة الملكية العامة هي أنها ملك للكل
، أي ملك لكل فرد في المجتمع وهي في ذات الوقت ليست ملكاً لأي فرد
فيه . وإن الاشتراكية الشعبية هي تحويل الملكية العامة الاحتكارية
أو الملكية الخاصة الاستغلالية إلى ملكيات عريضة لكل أفراد الشعب .
7-
إن الملكية العامة ليست بالضرورة هي
دلالة على العدالة الاجتماعية أو التوجهات الاشتراكية ، حيث تنمو
أحياناً العلاقات الرأسمالية بأكثر قوة تحت مظلة الملكية العامة ،
ويظهر التناقض الصاروخ والازداوجية القائلة بين الخطاب والواقع ،
وكذلك ليست بالضرورة أن علاقات السوق ستقود إلى النظام الرأسمالي .
وفي نهاية مشاركتي المتواضعة هذه أتسأل كما تسألت الايكونوميست في
احد أعدادها :
هل يصبح العالم أفضل لو تسلم الاقتصاديون الحكم ؟ وهل فشل علم
الاقتصاد ؟
ونسأل : هل يصبح العالم أفضل في ظل نظام العولمة ؟ إن العقد الأول
الذي عاشه العالم في ظل العولمة يؤكد بطلان هذا الادعاء وحيث أن
الإنسان يتمسك دائماً بأي بصيص للأمل ، فإننا نتمنى أن تحقق
العولمة ما يروج الآن لانتهجها حتى تكون نهاية التاريخ .
كما يقول " فوكوياما " بالرغم من أن نهاية عقدها الأول قد
أكد حقيقة معاكسة أثبتت تحليلات " كندي " في كتابة ( ولادة وانحطاط
القوى العظمى ) ، وعمقت اليقين بما كتبه " صموئيل هنتغتون " حول
صدام الحضارات . وما الدعوات التي برزت من جديد ، ومن أحشاء الدول
الصناعية الرأسمالية ، بل ومن قادتها وعلى رأسهم " كلينتون " و"
بلير " و " شيراك " حول ضرورة البحث عن طريق ثالث جديد ، يتصدى
لمعضلات تباطؤ النمو والتضخم والبطالة والأزمات المالية ،
واعترافهم بفشل النموذج الرأسمالي وإخفاق نهج عولمة الاقتصاد لان
ذلك النهج عولم المشاكل وفشل في طرح حلول لها . |