|
إقتصاديات التعليم
مقدمة عامة
إنني لن أضيف جديداً على ما قيل قبلي في أهمية التعليم وخطورة
الأمية والجهل ، وما يترتب عليهما من أضرار معنوية ومادية على
المدى البعيد ، حيث دعت كل الديانات للتعليم وحرضت على المعرفة
والتدبر . وقامت كل الحضارات العريقة على العلم والاختراع . وفي
مقدمة تلك الرسالات والأديان ديننا الإسلامي الحنيف ، إذ يقول الله
تعالى في كتابه العزيز :
بسم الله الرحمن الرحيم
" يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات "
المجادلة ، الآية (11) .
" قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا
الألباب " الزمر ، الآية (9) .
" وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون "
العنكبوت ، الآية (43) .
صدق الله العظيم
ويؤكد الكتاب الأخضر على ( إن المعرفة حق طبيعي لكل إنسان ) و ( عن
الجهل سينتهي عندما يقدم كل شيء على حقيقته ) .
ويقول " كونفشيوس " : ( إذا أردت الرفاهية لشعبك لمدة عام فأزرع
له أرزاً . وإذا أردت الرفاهية لشعبك لمدة عشر سنوات فأزرع له شجرة
. وإذا أردت له الرفاهية لمدة مائة عام فعلمه ) .
ثم سوف أعرج على موقف النظرية الجماهيرية من الخدمات العامة
ورؤيتها لتمويل التعليم كاجتهاد مني . حيث إننا فشلنا إلى الآن في
تطوير موقف النظرية الجماهيرية من قضايا مهمة ، ومن بينها الخدمات
العامة وفي مقدمتها التعليم .
ويقول " أرسطو " : ( من الواضح أن الثروة ليست هي الخير الذي نبحث
عنه ، فهي مفيدة فحسب من أجل شي آخر ) .
ويؤكد الفيلسوف " أوغيست كونت " : ( إن المعرفة هي المستقبل ) .
ويستخلص رجال التعليم الحكمة التي تقول أنه بدلاً من أن نتصدق على
جائع بسمكة ، علينا أن نعلمه كيف يصطاد .
هذا هو موضوع ورقتي هذه . وهو كيف نعلم هذا ( الجائع – الفقير –
الطفل – غير القادر – الأمي – الجاهل ) كيف يصطاد ؟ كيف يعيش ؟ كيف
يحقق ذاته كإنسان يتمتع بحقوقه كاملة ؟
إذ أن ورقتي ستحاول قدر ما أستطيع أن تتصدى لمفهوم جديد ومعقد وصعب
القياس ، وهو اقتصاديات التعليم . والتي اعتقد أن الضرورة من طرحها
سابقاً أو تاريخياً واليوم هو أن المشكلة الأولى التي تواجه
الأفراد والمجتمعات هي كيف يمكن الحصول على تعليم جيد بإمكانيات
محدودة وأحياناً غير متوفرة ؟
أي كيف يمكن تعظيم الفوائد من التعليم في ظل إمكانيات محدودة
ورغبات غير محدودة . إن هذا الموضوع له أبعاد أيديولوجية تتعلق
بفلسفة المجتمع وبدور الدولة فيه ، وموقف هذه الأيديولوجية أو تلك
من الخدمات العامة .
ولهذا فإنه من الضروري التعرض إلى موقف المدارس الاقتصادية
المختلفة لمفهوم اقتصاديات التعليم وموقفها من طريقة تمويله . وسوف
أركز على مدرستين مهمتين ، هما : المدرسة الكلاسيكية والمدرسة
النيو كلاسيكية ، أي موقف نظرية السوق أن صح التعبير ، حيث أن
فلسفة الدولة الضامنة قد فشلت في الاستمرار في تمويل الخدمات
العامة إلى مالا نهاية وسقطت في منتصف الطريق .
|