|
منظمات المجتمع المدني
يقال إن الاقتصاديين عندما يواجهون أزمة فإنهم يبتدعون كلمة جديدة
بدلاً من حل جديد لتلك الأزمة ، وهذا هو تماماً ما تمارسه
الرأسمالية الغربية بكل منظوماتها السياسية والاقتصادية
والاجتماعية .. فهي تختلق مصطلحاً جديداً لحل تأزماتها بدلاً من
بحثها عن حل جديد لها .. فالمجتمع
المدني
والطريق الثالث والديمقراطية الاجتماعية والعولمة وحقوق الإنسان
والحرب
ضد
الإرهاب كلها أقنعة تستهدف تجميل الرأسمالية المتأزمة .
ولكي تبحث عن ذرائع ومبررات لتسويق ما تعتقد بأنه صحيح قد
يكون مبرراً أو مقبولاً على الأقل ولكن أن يتبنى الخصم حججك
وذرائعك ومبرراتك فهذا هو الغريب وغير المقبول ولهذا فإنه يمكن
القبول بما سمى بمنظمات المجتمع المدني في نظام حكومي واستغلالي
يقفل كل الأبواب على كل المواطنين من أن يكونوا فاعلين في مجتمعهم
ولهذا فلا خيار أمام أفراده إلا الانسلاخ من هذا المجتمع الرسمي
ومحاولة خلق مجتمع بديل وهو المجتمع اللاحكومي- المجتمع الأهلي -
الشعبي غير الرسمي ومن هنا ظهرت المنظمات غير الحكومية لخدمة هدفين
أساسيين أولهما التنفيس على النظم الرأسمالية كي لا تصل إلى حالة
الانفجار والأخرى للتدليل على ديمقراطية النظم الغربية ولهذا فإن
مكونات المجتمع المدني لا تملك القدرة على الفعل الدستوري ولا
تستطيع تغيير الدستور بالرغم من الادعاء بأن لها الحق في العمل على
أن تخالف آراؤها رأي الحكومة وهذا هو مقتل الرأسمالية النيابية وهو
الفرق بين القدرة والحق ..
إن المهم هو من يملك القدرة لا من يملك الحق فالشعوب تمتلك الحق
الذي يدعمه المنطق ولكن الحكومات تمتلك القدرة المدعومة بالاحتكار
، ربما تنبهر مجموعات من الناس بأطروحة المجتمع المدني القادمة من
الغرب وتعتقد بأنها ستعزز الحرية والديمقراطية وتخلق رادعاً جديداً
ضد العسف وتعزز إرادة المواطنين في تأكيد ذواتهم والدفاع عن حقوقهم
وحتى إذا ما كان هذا صحيحاً في دولة غير ديمقراطية فإنه من غير
المقبول أن يحدث هذا في المجتمع الجماهيري الذي هو في حقيقته يجسد
أطروحة المجتمع المدني بشكل عملي وقابل للتطبيق ، وإذا ما تم
القبول بهذه المنظمات خارج إطار المؤتمرات الشعبية فإن تلك
المنظمات ستنسلخ من النظام الشعبي وتشكل قاعدة ومقدمة لمقاومته ..
إن المجتمع الجماهيري هو مجتمع مدني في أساسه لأنه يقوم
على كل الشعب بدون استثناء بل يمكن هذا النموذج الشعب من وضع كافة
الأجهزة الأمنية والرقابية والعسكرية تحت سيطرته وحتى إذا لم يكتمل
هذا البناء حتى الآن نتيجة قصور أو تقصير فإنه لا يعطي مبرراً
لإقامة نظام آخر على أنقاضه ولأن المجتمع الرأسمالي النيابي الذي
خرجت منه هذه الدعوة وحاول استيعابها والقبول بها لهو دليل على أنه
فعلاً مجتمع همجي غير متمدين .
إن محاولة تسميم الأطروحة الجماهيرية بمسكنات انتهت
صلاحيتها يعد خرقاً في منتهى الخطورة بل واختراقاً استراتيجياً
لنسف النظام الجماهيري في ليبيا لأن هذه المحاولة التي تحولت
مؤخراً إلى برنامج عملي بدءاً بالجمعيات غير الحكومية وجمعيات
الصداقة وارتفاع المطالبة بإقامة منظمات المجتمع المدني هي في
حقيقتها دعوة موجهة ضد النظام الجماهيري وتستهدف استبدال مؤسساته
بمؤسسات أخرى يقول عنها أصحابها أنها غير حكومية مما يعني أن
المؤسسات القائمة على مؤسسات حكومية غير شعبية ..
وبالرغم من أن هذا الادعاء مردود عليه حيث إن كل المؤسسات
القائمة في الجماهيرية هي مؤسسات مختارة من الشعب أو من الشرائح
المكونة لتلك المؤسسات وحتى إذا ما ادعى أولئك المارقون أن مؤسسات
النظام الشعبي يشوبها القصور في الممارسة فإنني أقول أن المؤسسات
الرأسمالية النيابية لم تترسخ إلا بعد مئات السنين وأن الرأسمالية
المتوحشة والاحتكار الهمجي والعولمة التي شعارها " إذا لم تأكل
تؤكل وأن سكان ثلاثة أرباع العالم يجب أن يسخروا لخدمة ربع سكانه
الآخر " قد يتطلب هذا النوع من النظام ظهور منظمات المجتمع المدني
في مواجهته ولكن ظهور سموم الرأسمالية البربرية مثل العولمة وحقوق
الإنسان والطريق الثالث والحرب ضد الإرهاب ومنظمات المجتمع المدني
وجمعيات الصداقة كلها لا تتلاءم والمجتمع الذي نعمل على بنائه في
ظروف صعبة وفي أجواء علاقات دولية محلية وإقليمية وعالمية معقدة
وعلى أنقاض خمسمائة عام متوالية لم يتمكن الشعب الليبي من التخلص
من الاستعمار حتى قيام ثورة الفاتح العظيمة والتي بفعلها تمكن من
إقامة أول نظام وطني في تاريخ ليبيا كله ..
|