|
عم يتعض القبليون
.
إنني قررت أن أكتب هذا المقال رداً على مقالات سابقة كتبها أحد أعز
أصدقائي من حيث العلاقة الشخصية حتى لو اختلفنا في بعض الوسائل
والأدوات التي يمكن أن تقودنا إلى الغاية التي لا نختلف حولها .
وإن منطلقي لهذا الرد ليس دفاعاً عن النفس وإنما هو تأكيد للثقة
بها ، بغض النظر عن التخيلات والتحليلات التي قد يعطيها قصيرو
النظر وقصيرو التفكير وسطحيو الرؤية ، وعلى الرغم من اتفاقي الكامل
مع صديقي حول ضرورة استخدام معايير الجماهيرية في التقييم ، وضرورة
ترسيخ مفاهيم قومية الثورة وعالميتها وقناعتي المطلقة في شعبية
ثورة الفاتح وتجاوزها لكل التفسيرات السطحية والساذجة ، ولكنني في
ذات الوقت أحب أن أؤكد أن تلاحم الجموع في تظاهرات غاضبة هذه
الأيام دفاعاً عن الثورة وتحدياً لأعدائها وتمسكاً بقائدها لا يعود
إلى المعايير السابقة والأساليب الماضية أو الوسائل الأولى لم تكن
جماهيرية ، بل هذا يؤكد حقيقة معاكسته ، وهي أن الشعوب دائماً تعلن
مواقفها في لحظات الحظر والمواجهات التاريخية الكبرى ، أما
الصراعات الدونية الضيقة والتي هي ليست لمصلحة الجماهير ولا من
أجلها فإنه يتم تجاهلها والترفع عليها تتفيهاً لها وتحقيراً
لأصحابها الذين يمارسون خداع الجماهير ويمنونها بتوفير سلع الغرب
الاستهلاكية ، ويدفعونها إلى تبنى برامج الانفتاح والتبعية ، بقصد
دغدغة عواطفها وممارسة الديماغوجية لكسب ودها .
وإنه من نافلة القول التأكيد على حقيقة أخرى وهي أن القادة
التاريخيين يلعبون أدواراً تتجاوز أسرهم وقبائلهم ، والقائد معمر
القذافي هو من أولئك القادة العظام الذين تجاوز تحليلهم وقدرتهم
القيادية كل تلك النطاقات الاجتماعية الضيقة وهذا لا يتناقض مع
كونه أحد أبناء قبائلنا العربية ..
وعلى الرغم من كل ذلك ولأسباب موضوعية ، وتجنباً لمجافاة الحقيقة
واستشهاداً بالمقولة المشهورة لأحد القادة الشيوعيين ومؤسسي
الاتحاد السوفييتي سابقاً التي تقول : "أن الوطني الجيد هو الأمي
الجيد" فإنني أقول أن القبلي الجيد هو القومي الجيد ولا
أقصد باستخدامي لهذه العبارة إذكاء روح التعصب الجاهلي الذي يقود
إلى ممارسة العسف والذل والاستعباد أو مؤازرة الشر والعدوان .
إن التعصب القبلي "السلبي" قد يؤدي إلى ما تطرق له زميلي في
مقالاته السابقة ، ولكنني أقصد هنا ذلك الانحياز الذي دفع علي بن
أبي طالب "الفدائي الأول في الإسلام" أن ينام مكان رسول الله ( ص )
ليلة الهجرة الذي أدى إلى إحداث حالة من التنافس القبلي أججت روح
المقاومة ضد الإيطاليين الغزاة , وهو الذي أدى إلى إنهاء العميل
هبري وانتصار "الثورة " في تشاد ، وهو الذي أحبط التحالف الغربي ضد
الشعب الصومالي وانتصار إرادة المقاومة في مقديشيو .
ومن هذا المنطلق – ورجوعاً إلى الحالة الليبية – فإنني أقول أنه
من المصلحة الاستراتيجية للحفاظ على الثورة ومكتسباتها أن يتم
الحفاظ المستميت والتطهير المستمر لما سأطلق عليه مثلث الموت أو
مثلث برمودا الصحراوي " بالنسبة للغزاة" ، والذي يمتد من سرت
مروراً بمصراته ونهاية ببني وليد غرباً ، ثم مروراً بالشاطئ نهاية
بسبها جنوباً ، ثم مروراً بالجفرة نهاية بسرت شمالاً ، والذي أوشك
أن ينهي الاحتلال الإيطالي في ليبيا بكاملة بعد ملحمة القرضابية
التاريخية ، حيث انهارت دفاعات روما في كل الأرض الليبية بعد تلك
المعركة التي دارت رحاها في رأس هذا المثلث " سرت " وهو الذي قاوم
التتريك وتمرد على العثمانيين ، وهو الذي أنجب الثورة في سرت ثم
احتضنها في سبها ، وفوت الفرصة على الملكية لإنهائها باحتضان
مصراته لقائدها . هذا المثلث يشكل بطن ليبيا من الناحية الجغرافية
كما هو صدرها في ظروف الحرب والمواجهة ، وهو الذي شكل رديفاً
تاريخياً لحركة الضباط الوحدويين الأحرار وداعماً رئيسياً لحركة
اللجان الثورية ، ودرعاً واقياً للجماهيرية وشعبها في مواجهاته
الشجاعة من قلب تشاد وحتى خليج سرت .
وباستخدام التحليل المنطقي للأشياء يتأكد لنا أن انحيازنا للأرض
الليبية لا يعود لخصائص هذه الأرض ولكن السبب في ذلك أن قبائلنا
العربية قد أستوطنت واتخذت هذه الأرض مكافأً لها . ولذا فإن
الانحياز للأرض يرجع إلى الانحياز للناس الذين يسكنونها "الأهل" .
قاتلوا عليها الغزاة ، وعاشوا عليها ، واستقبلوا الرسالات السماوية
فوقها ، وقاوموا ا الأعداء من أجل الارتزاق منها ... إلخ .
ولذا ، فإن الانتماء الاجتماعي يمتد من الأسرة ثم القبيلة مروراً
بالأمة نهاية بالإنسانية .. وأن محاولة إدخال أي حلقة أخرى بين
هذه السلسلة المتتابعة هو تدخل قسري في طبيعة الأشياء ، وتحريفاً
للنواميس ، ومن هذا المنطلق فإن الدولة الليبية فاقدة لمبررات
قيامها واستمرارها إذا ما حكمنا التعبير الإيديولوجي في قيام
الدولة حيث يؤكد الكتاب الأخضر أن الدول التي لا تستند على بنى
اجتماعية طبيعة "الأمة" لا يمكن لها أن تستمر ، وستتعرض للصعاب
والمشاكل التي تؤدي إلى تقلصها أو امتدادها إلى مستوى الأمة ، أو
ربما تنتهي وهذا ما تتعرض له الكيانات السياسية القزمية في الوطن
العربي .
ومن هذا المنطلق ، فإن تحكيم التحليل الجماهيري يقودنا إلى حل
الدولة الليبية وتحويلها إلى رقعة محررة في الوطن العربي تندلع
منها الحرب التحررية والتوحيدية ، وينطلق منها الصوت التحريضي
لبناء الكيان السياسي الطبيعي والقوي وهو "الدولة الأمة" وإلا فإن
الضمان الوحيد لحماية هذا الكيان الجماهيري الجديد والمتكالب عليه
من طرف أعتي القوى الإمبريالية في العالم هو إحداث تعبئة جماهيرية
اجتماعية قبلية لإحداث تحالف "جهادي" بين كل القبائل العربية
الليبية لحماية دولة "المدينة" الناشئة والصاعدة لإكمال رسالتها
القومية ، والعالمية .
"ولكم في الحياة عبرة يا أولي الألباب" .
صدق الله العظيم
|