|
أطروحات إشتراكية ... وماذا عن التطبيق
بدئ في تطبيق الأفكار الجماهيرية ، بما فيها الأطروحات الاشتراكية
، منذ صدور ( الكتاب الأخضر ) .
وكان التركيز المباشر على تجذير " سلطة الشعب " لتعزيز الإرادة
السياسية للجماهير كمقدمة لسيطرتها على مقدراتها الاقتصادية ومكامن
القوة الأخرى ولقد دعم هذا العمل بزحف العمال على مؤسساتهم
الإنتاجية وتشكيل الإدارة العمالية فيها ..
وهكذا بقيت ملكية مؤسسات المجتمع الإنتاجية والخدمية ملكية عامة
( حكومية ) في ظل اختفاء الحكومة المركزية التي كان القطاع
العام نتاجها الطبيعي ... حيث أن الوحدات الإنتاجية والخدمية ،
المتوسطة وما فوق ، لم تكن تحت سيطرة المؤتمر الشعبي الأساسي ...
القطاع العام ملكية " حكومية " ومعطية طبيعية لها . وإذا ما اختفت
الحكومة التقليدية وبقى القطاع العام فإنه سيكون عملياً ملكاً
لمسيريه ، من مديره المباشر إلى أمين اللجنة الشعبية النوعية
والعامة ، وهذه بداية الانحراف الذي يحتم علينا توسيع الملكية
وتحويلها إلى ملكية تشاركية بقاعدة عريضة من المنتجين وآخرين من
أفراد الشعب .
نحن بدأنا بسلطة الشعب قصد السيطرة الشعبية على كل المقدرات ، بما
فيها القطاع العام ، كنتيجة للسلطة الشعبية ، ولكن استخدام هذا
المدخل وحده وفي المرحلة الأولى ، أضعف من سلطة الشعب ومكن سلطة
مديري القطاع العام ، وربما كان من الأجدى أن نستخدم المدخلين
السياسي والاقتصادي في وقت واحد لبناء الجماهيرية ، وكان ينبغي أن
يتم التركيز على تمليك القطاع العام ليبني المجتمع التشاركي
وإعطاء السلطة الشعبية بعدها المادي .
واستمرت هذه الحالة المتناقضة ، حيث يتخذ القرار شعبياً وبقيت
الملكية عامة في ظل اختفاء مصدر قوتها واستمرارها وحتى نجاحها ،
وهي الحكومة ، وهكذا أصيبت الثورة الجماهيرية في محاولتها
التاريخية لشق طريق ثالث بمرض سيطرة المديرين على الدولة ، حيث شكل
مديرو الشركات العامة الإنتاجية والخدمية طبقة المالكين الحقيقيين
لتلك المؤسسات دون تحمل المسئوليات دون تحمل المسئوليات والنتائج
السلبية التي تترتب على الملكية في ظل اختفاء سلطة مركزية وفي إطار
سلطة شعبية .. مما أدى إلى أن يتحول الشكل الجماهيري إلى حلم
للمتجاوزين بدل أن يكون أداة ضغط عليهم ، مما رتب صعوبة بالغة في
محاكمة المقصرين والمنحرفين ومكافأة المخلصين والناجحين ، ليس
لقصور في السلطة الشعبية ولكن لأن القطاع العام ليس معطية من
معطياتها .. وهكذا بدأ الصراع والتنافس على من يستطيع أن يمكن
عناصره في المواقع الإدارية ، لا بقصد إنجاح البرنامج الاشتراكي
ولكن بهدف السيطرة على الإمكانيات في ذات الوقت كان صراع الطرف
الآخر ، غير المعلن ، هو توجيه المجتمع إلى اقتصاد السوق لتتغلب
المعدة على العقل ، وتفرغ المحاولة التاريخية من محتواها .
وهكذا امتد التنافس السلبي على الاعتمادات والاستيراد وتسويق السلع
المعمرة والاستهلاكية من الخارج على حساب علاقات العمل والملكية
والتوظيف الأمثل للمواد الطبيعية والبشرية ، مما أدى إلى ظهور
الفوارق وبروز أغنياء اختراق القوانين والمتلاعبين بها .
وحرصاً من قيادة الثورة على معالجة الانحرافات الخطيرة عن النموذج
النظري وتمت عمليات تحريض وترشيد وممارسة للشرعية الثورية ، بقصد
الإصلاح ، وصدرت قوانين وقرارات شديدة وجذرية ، وتمت عمليات تدخل
ثورية من المداهمات إلى التطهير ، ولكن كل هذه المحاولات تتم
مقاومتها وإجهاضها ، بل يتم أحياناً تسخيرها لعرقلة التنمية وتعويق
برامج التحول بواسطة الليبيين ، ليبرهن الطرف الآخر على عدم واقعية
الأفكار الجديدة . ولذا فإن معالجة هذه المعضلة المعقدة والمتشابكة
كان ينبغي أن تتم منذ صدور الفصلين الأول والثاني للكتاب الأخضر
حيث اقتضت الضرورة في ذلك الوقت إعادة هيكلة الاقتصاد ليتحول من
اقتصاد القطاع العام الحكومي إلى الاقتصاد الاشتراكي ، مستخدمين في
ذلك كل وسائط الانتقال بعد تطويعها لخدمة هدف الثورة في بناء
المجتمع الجماهيري ، حيث أن كل الدول التي ترفع شعارات إعادة هيكلة
الاقتصاد كانت ترمي من وراء ذلك إلى تمويل اقتصادها من نظام القطاع
العام إلى نظام القطاع الخاص ، ونحن سنقوم بنفس المهمة مختلفين في
الهدف وهو بناء الاقتصاد الاشتراكي الجماهيري .
ومن هذا المنطلق فإن المعالجة التاريخية التي ترفض الاستلاف المشوه
أو التقليد الساذج أو تحاول التطبيق التعسفي ينبغي عليها أن ترتكز
على الأتي :-
1-
نقل ملكية المؤسسات الإنتاجية والخدمية
العامة إلى ملكيات جماعية تكون الأولوية للعاملين فيها ويسمح
لأفراد المجتمع الآخرين بالتملك إذا لم يستطع المنتجون في تلك
المؤسسة امتلاك كل أسهمها .
2-
يوزع عائد الإنتاج بين المنتجين والآلة
بالتساوي بعد خصم تكاليف التشغيل " المواد الخام " .
3-
تدار المؤسسات الإنتاجية والخدمية بلجان
شعبية يكون نصفها من المنتجين ونصفها من المالكين بمن فيهم
المنتجون حاملو الأسهم .
4-
يصعد أمين اللجنة الشعبية لأي مؤسسة
إنتاجية أو خدمية من طرف الجمعية العمومية ، التي تضم المنتجين
والمالكين ، وتباشر عمليات المحاسبة والتقييم وتقرر كافة القرارات
المتعلقة بالتوسع وغيرها .
5-
تقوم كافة المؤسسات الإنتاجية والخدمية من حيث جدواها الاقتصادية
وتكاليف إنتاجها ومردودها لتتم معالجة كل ما هو غير اقتصادي بما
فيها مستحقاتها نم العملة الصعبة ومصادر المواد الخام وجنسيات
العاملين فيها .
6-
يؤسس سوق للأسهم الإنتاجية والخدمية يكون
هدفه الوحيد توسيع قاعدة الملكية ونقل الملكيات العامة إلى ملكيات
شعبية غير محتكرة .
7-
تؤسس شركات مساهمة للتجارة الخارجية ولكل
عمليات التصدير والاستيراد تصاحبها مراكز ووكالات توضح الأسعار
العالمية لكل السلع والمواد المستوردة وأسعار الخامات والسلع
المصدرة كي لا يتم التلاعب بالأسعار في تهريب العملة الصعبة في
حالتي التصدير والاستيراد .
8-
يستبدل دعم بعض السلع الأساسية بإعادة تنظيم المعاشات الأساسية
ومعاشات التقاعد والمرتبات وذلك بتعويض قيمة الدعم لذوي الدخل
المحدودة ومؤقتاً .
9-
كل مؤتمر شعبي أساسي له الحق في تقرير
الآلية التي يراها في عمليات التسويق والتوزيع .
10-
يعاد تنظيم قانون الضرائب بشكل تصاعدي
للحد من تراكم الثروة عند أفراد محدودين على حساب الأغلبية ، وذلك
بقصد التحول الديمقراطي السلمي من المجتمع الطبقي إلى المجتمع
اللاطبقي حيث أن كل عمليات الانحراف تتم معالجتها ديمقراطياً
وسلمياً من طرف المجتمع .
11-
يعاد النظر في مجانية الصحة والتعليم
بحيث يتم تمويلها ذاتياً من طرف الأفراد لرفع كفاءة الإدارة وترشيد
الإنفاق ويمكن معالجة وضع غير القادرين على الدفع مؤقتاً من مداخيل
النفط التي لن تكون دائمة .
12-
إعادة تنظيم الجهاز الإداري الذي يؤدي
خدمة عامة للناس ، بحيث يؤسس جهاز صغير في حجمه وفاعل في أدائه
متخلصاً من العناصر الزائدة عن حاجته لاغياً الوظائف الهامشية
المربكة له عند قيامه بمهامه ، منضبطاً بالقوانين التي يضعها الشعب
وهيئاته التنفيذية ، مهمشاً إلى أقصى حد السلطات التقديرية لرؤسائه
التنفيذيين . في ذات الوقت يجب أن يتحصل أفراده مقابل أدائهم هذه
الخدمة معاشات مرضية تلغي لديهم الطمع والحاجة وتفشل كل الضغوط
المادية التي يمكن أن تمارس عليهم على أن يعاقب أفراده المقصرون
والمتجاوزون بأقصى العقوبات الأدبية والمادية .. إن هذه المهمة
تتطلب تطبيقاً دقيقاً للإدارة العلمية ومنح صلاحيات متناسبة وهذه
المسئوليات مع توفير الإمكانيات اللازمة في ظل " وضع الإنسان
المناسب في المكان المناسب " .
13-
فرض سياسة البيع المربح وبالتقسيط لكل
السلع المعمرة وكل الحاجات الأساسية المتعلقة بالسكن والمركوب .
لقد كتبت عبارة على السربون تقول " إن الماضي وحده هو الهاجس "
ونحن ثورتنا هي ثورة الإبداع والتجديد والتغيير مستوعبة في ذات
الوقت كل دروس الماضي .. علينا ألا نكون مشدودين خلال ممارسة خطنا
الثالث إلى القطاع العام الحكومي ولا إلى القطاع الخاص الاستغلالي
.
وأن تكون المرجعية الوحيدة هي الأفكار الجماهيرية متخلصين من ماركس
– ماو – لينين وتروتسكي وبوذا ... في الفكرة والمنهج وأساليب
الانتقال ولكن في ذات الوقت علينا إلا نتجاهل أو ننسى أن عمليات
البناء تصاحبها ودائماً مظاهر الحرمان .
|