|
العولمة
العولمة:
هذا المصطلح الجديد الذي يتصدر عناوين الصحف والمجلات وتقام حوله
الندوات في كل مكان وتكتب حوله الكتب بكل اللغات وكأنها أي العولمة
دين جديد قد نزل من السماء لا يمكن لأولئك الذين يعون التاريخ أن
تنطلي عليهم هذه الأكذوبة التي ساعدت ثورة المعلومات والاتصالات
ووسائل الإعلام الحديثة على تحويلها إلى حقيقة بل أطروحة أخلاقية
يعاقب كل من يقاومها أو يدعى بأنها ليست مطلقة أو نهائية أو يجادل
في منافعها ومضارها على المجتمعات الإنسانية .
إن تعدد مسارات التاريخ تبين لنا أنه إذا ما سيطرت ثقافة
معينة وانتشرت تحولت إلى ثقافة مركزية وأصبحت باقي الثقافات في
الأطراف وأصبح مسار الثقافة المركزية هو العصر والتاريخ والمحدد
لباقي الثقافات الأخرى إذا أصبحت ثقافة عالمية ولقد حدث هذا عبر
التاريخ الإنساني كله من الحضارة المصرية القديمة إلى مجموع
الحضارات ما بين النهرين وكنعان عندما كانت تمثل الثقافة المركزية
والثقافات الأخرى مثل اليونانية في الغرب والفارسية والهندية في
الشرق كانت تمثل ثقافات الأطراف وحدث ذلك في حضارات الشرق القديم
عندما انتشرت ثقافة الهند خارج حدودها إلى الصين وأواسط آسيا وحدث
ذلك في الصين عندما انتشرت ثقافاتها ودياناتها خارج حدودها وأصبحت
مركز العالم وتكرر ذلك مع اليونان بعد فتوحات الإسكندر وانتشرت
ثقافتها من الرومان غرباً وحتى مصر جنوباً وآسيا شرقاً وحتى وسط
أوروبا شمالاً ، ثم سادت الثقافة العربية الإسلامية وأصبحت هي
ثقافة المركز فورثت الثقافات القديمة وامتدت إلى الشمال الغربي من
أوروبا عبر الأندلس وإلى آسيا وجنوب شرقها عبر فارس والهند حتى
الصين ، ثم جاء الغرب الحديث يرث الثقافة العربية الإسلامية وأصبحت
أوروبا هي مركز الثقافة العالمية وبقيت ثقافات أفريقيا وآسيا
وأمريكا اللاتينية في الأطراف وفي خضم سيطرة هذه الثقافة أصبح مسار
التاريخ الأوروبي هو مسار التاريخ لكل الثقافات عن وعي أو عن لا
وعي .
فنحن في بداية القرن الواحد والعشرين ونحن في بداية
الألفية الثالثة وكأن العالم لم يبدأ إلا في بداية الألفية الثالثة
وكأن العالم لم يبدأ قبل ألفي سنة وكأن ولادة المسيح "عليه السلام
" هي بداية العالم ولم يكن قبله تاريخ ولا ثقافات ولا أنبياء ، بل
وحتى الشعوب لم تكن موجودة قبل ذلك التاريخ ؟ ومن الذي وضع هذا
الحد الفاصل بين ما قبل التاريخ وما بعد التاريخ لكل ثقافة بدايتها
في التاريخ .
فاليابان تبدأ التاريخ كل مرة ببداية تولى الإمبراطور
العرش وفارس وحتى عصر الشاه تبدأ التاريخ منذ قورش ، والعبرانيون
يبدأون التاريخ منذ أكثر من خمسة آلاف سنة منذ خلق الله العالم ،
ونحن نبدأ التاريخ منذ ميلاد الرسول محمد عليه الصلاة والسلام ومع
كل حدث عظيم يبدأ التاريخ .
عام
الفيل
ميلاد
الإسكندر وتنصيب الإمبراطور ولا يوجد اتفاق حول المسار التاريخي
للشعوب والثقافات ولكن المركز هو الذي يفرض مساره على الأطراف .
وهكذا
في خضم الإعجاب بالحاضر يتم نسيان الماضي وفي زحمة الوعي السياسي
يتم طي الوعي التاريخي وينسى الآكلون الجذور في ظل التمتع بالثمار
.
هذا هو
التحليل التاريخي والثقافي لمفهوم المركز والأطراف والتي هي في
حقيقتها العولمة التي نتحدث عنها .. أي أن العولمة هي سيطرة ثقافة
معينة على باقي الثقافات لتفرض وجودها أو يتم فرضها بالقوة على
الآخرين .
إن
الشيء الخطير الذي تشكله العولمة الجديدة هي سيطرة ثقافة البحر على
ثقافة البر مثلما يصفها " الكسندر دوغين " الفيلسوف والجيوسياسي
الروسي المشهور والذي أوضح أن سيطرة حضارة البحر التي يمثلها
الانجلو سكسون تشكل خطراً فعلياً على البشرية حيث
إنها
قادت وستقود العالم إلى اضطرابات غير معروفة وعدم استقرار غير
مسبوق وسوف تسيطر فيها الغريزة على العقل وتتغلب فيها التكنولوجيا
على الأيديولوجيا وتهيمن فيها علاقات السوق على قوانين السوق
وللتحدث عن أيديولوجية العولمة السكسونية ...
|