|
أيديولوجية العولمة
لقد
طرحنا في مقال العولمة العديد من الأسئلة حول دين العولمة الجديدة
وثقافتها ولغتها بل وكيف ستؤرخ الشعوب لنفسها في ظل العولمة ؟
ومصير تراث الشعوب وأعرافها بعد اندماجها بفعل العولمة ؟
إنها
أسئلة مهمة ويمكن أن يتم الرد عليها بإجابات مقنعة كأن يقال إن لكل
شعب دينه وثقافته ولغته وأعرافه وتاريخه وأن العولمة لا تخرج عن
كونها تحول لكل هذه الدويلات الصغيرة وهذه القوميات المتناحرة
والمتضادة وهذه الديانات المتصارعة إلى حالة جديدة من الوئام
والتفاهم والسلام .
ويمكن
لنا أيضاً أن نوافق بل ونعمل جاهدين على تحول هذه الأمنيات إلى
واقع معاش لخلق عالم جديد .
إن
السطحيين أو الذين يعانون عقدة النقص تجاه كل ما هو قادم من الغرب
يحولون إلى آلة تعيد إنتاج هذه الكلمات الجميلة وهذه الأحلام
الوردية ويمكن لهم أيضاً أن يحملوننا نحن الشعوب المتخلفة
والمتعصبة والتي يتهمونها بأنها تعيش في القرون الوسطى " هنا أود
أن أوضح أن العصور الوسطى بالنسبة للأوروبيين حقبة سوداء في حين
أنها ليست كذلك بالنسبة لبقية الشعوب " كل المآسي التي يعيشها
العالم اليوم ولهذا وغيره من هذا الجدل البيزنطي لا بد أن نوجه
الأسئلة المهمة التالية وهي :-
ما هو
المحتوى الاجتماعي للعولمة ؟
ما هي
أيديولوجية العولمة ؟
هل
الحضارة الغربية الأنجلوسكسونية التي انتصرت اليوم وتفرض كل
خصوصياتها على شعوب الأرض قاطبة قد بدلت أيديولوجيتها بأيديولوجية
جديدة حتى يمكن لنا أن نغير نحن رؤيتنا لما كان سائداً إبان الحرب
الباردة وصراع الأيديولوجيات ؟
إن
الأهداف التي يتم تسويقها للعولمة إذا ما تحققت تستحق من كل الشعوب
أن تضحي بجزء من سيادتها لا لصالح طرف أو شعب أو دولة من دول
العالم ولكنها تضحية جماعية ومشتركة لخلق عالم جديد يسيطر فيه
الإنسان على جملة المشاكل والمختنقات التي تعترض طريق تقدمه ، حيث
إن
هذا النظام الواعد سوف يحقق تنمية متوازنة وشاملة لكل شعوب الأرض
وسوف تتحسن دخول الأفراد من جراء هذه التنمية والتي ستكون مصحوبة
بل مشروطة بالديمقراطية ومشاركة منظمات المجتمع المدني في صنع
القرار وسوف تعالج مشاكل البطالة والتضخم وستزول الحدود التي وضعت
بين الشعوب وتنتقل رؤوس الأموال واليد العاملة بحرية دون التفريق
بين جنس وآخر أو لون وآخر أو دين وآخر أي أن العولمة إذا ما تم
تطبيقها فإنها سوف تخلق عالماً جديداً ورصيداً خالياً من الحروب
والفقر والبطالة .
وعندما
نتفحص أيديولوجية العولمة لا نجد سوى الرأسمالية الجديدة المتخلصة
من ضغط الحرب الباردة والمهيمنة عالمياً بدون منازع أي أنها
الرأسمالية المتوحشة والتي وصفها أحد أبرز القيادات الاجتماعية في
المجالات السياسية بأمريكا وهو السيد " رالف نادر " في رسالته التي
وجهها للبليونير الأمريكي " بيل جيتس " مالك شركة مايكروسوفت
للحاسبات والعقول الآلية والذي يحتل المركز رقم واحد في قائمة
أثرياء العالم في ذلك الوقت حيث تبلغ ثروته الشخصية واحد وخمسين
بليون دولار أمريكي حيث كشف " رالف نادر " في رسالته عن أن مجموع
القيمة الصافية لثروة " جيتس " أكبر من مجموع القيمة الصافية
لممتلكات أفقر فقراء أمريكا البالغ تعدادهم 106 ملايين نسمة متضمنة
كل ما يملكون .
ويخاطب
" رالف نادر " في رسالته " جيتس " قائلاً : " إن مما يثير قدراً
هائلاً من الخوف والقلق ... هو إدراك أن ملايين من الأمريكيين ليس
لديهم إلا النزر اليسير من قيمة صافية من ثروة تتصل بما يمتلكون ،
على الرغم من أن بعضهم قد قضى حياته في سوق العمل " .
ولعل
هذا الوضع يجئ مطابقاً لما أورده الأستاذ " جنز " في كتابه عن
مشكلة الملكية حيث يقول :
" نجحت
الرأسمالية في توليد رأس المال لكنها فشلت في تحويل كل الناس إلى
ملاك لرأس المال " . ويقول : "نجحت الرأسمالية في إيجاد نظام حكم
ولكنها فشلت في تحويل كل الناس إلى حكام "
كما
يواصل " رالف نادر " استشهاده بحقائق الانهيار الرأسمالي قائلاً :
" ومن
المعلوم أن الولايات
المتحدة الأمريكية
تمثل
في بنيتها أحد أوسع صور التفاوت في توزيع الثروة مقارنة حتى ببقية
الدول الغربية ... ولا أدل على ذلك من أن ثروة 1% وهي الطبقة
العليا لسكـان أمريكا ... تعتبر أعلى من مجمل نصيب الطبقات الدنيا
التي تبلغ 90% من الأمريكيين " .
ويلاحظ
المؤلف "جنز" في كتابه عن الرأسمالية الذي يقول فيه "نجحت
الرأسمالية في توليد رأسمال لكنها فشلت في تحويل كل الناس إلى ملاك
لرأس المال" . إن التداعيات المترتبة على عدم فعل شيء في هذا الصدد
تهدد بمخاطر كبيرة من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية
وحتى من النواحي البيئية كذلك .
ويؤكد
هذا المحلل الرأسمالي في اعترافه بانهيار الرأسمالية .. أن
الاحتكار والجشع كانا ولا يزالان من أهم الأخطاء التاريخية
المرتبطة بالرأسمالية ، بكل ما يتولد عنها من أخطار .. وأن التطور
الهائل الذي تشهده التقنية في ظل الرأسمالية لم يفعل إلا تكريس
لتلك الأخطاء التي أدت إلى أن عدد من ماتوا نتيجة الإصابة بأمراض
الدرن والملاريا ليصل في تاريخ نشره
الرسالة إلى ستة ملايين شخص وهو رقم تجاوز عدد من توفوا في أي عام
مضى .
يخلص
"رالف نادر" إلى أن ما يعانيه العالم من مآسي سياسية واقتصادية
والانهيار الذي تشهده الرأسمالية يعودان إلى ما وصفه حرفياً
بـ"تركز السلطة والثروة" أي احتكار القلة للسلطة والثروة .
كما
يؤكد الباحث الأمريكي "فرانسيس فوكومايا" صاحب فرضية نهاية التاريخ
الذي
ربط فيها بين انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط الشيوعية ، ما يعني
إحراز النظام الرأسمالي بديمقراطيته التقليدية للظفر في صراعه
التاريخي مع النظام الماركسي المنهار يعود للاعتراف بأن طرق
ومعايير النظام الرأسمالي الذي اعتقد سابقاً بقدرته على الدوام
مزدحمة بالقنابل الموقوتة التي تنذر بعواصف مدمرة .
أما
الادعاء بأن العولمة قد أنهت الحرب الباردة وحققت السلام بدل
الحروب الصغرى الساخنة على العكس تماماً حيث وفرت لها فرصاً
ومساحات للتمدد والاشتعال ويمكن تعداد ما يزيد على أكثر من خمسين
صراعاً مسلحاً في الوقت الحاضر لدرجة أن كتاب "فيليب دلماس" الذي
سجل منذ سنوات رقماً قياسياً في المبيعات كان عنوانه "مستقبل الحرب
الزاهر" .
ولا
نغالي إذا أكدنا أن النظام العالمي المتوازن منضبط إلى حد ما خلاف
النظام العالمي الجديد المنفلت إلى حد كبير مما أدى بـ "آلان نك"
إلى وصفه بأنه شبيه بالقرون الوسطى في كتابه "العصور الوسطى
الجديدة" .
ومن
خلال هذا العرض الموجز لأيديولوجية العولمة اتضح لنا أنها
،
أي
العولمة ، لا تخرج عن كونها تعميم الرأسمالية الأنجلوسكسونية على
العالم ، أي فرض الطرف المنتصر في المعركة ثقافته ومعتقداته على
الآخرين ، بل أنها فرض نموذج الحياة الأمريكية على بقية الشعوب .
ومن هنا يحق لنا أن نتفحص أيديولوجية الولايات المتحدة ومنظومة
الحقوق الدستورية فيها ونتحسس الفارق بين ما يروج له في وسائل
الإعلام والواقع المعاش لكي لا نخدع بتبني برامج مدمرة تحرم شعوبنا
من النهوض والتقدم .
إن
الدستور الأمريكي يضمن حق الانضمام للنقابات وحق اختيار المهنة
وينكر في ذات الوقت الحق في العمل والأجر المناسب وحق السكن
والطعام والملبس ولا يعترف بحق التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية
وينكر حق الأسرة والأم والطفل ، هذا من الناحية الدستورية . أما
من حيث الممارسة ، فنحن نعرف أن أشد أعداء الإنسان هم : الفقر ،
الجوع ، المرض ، الجهل والتي لا يضمنها الدستور الأمريكي ، حيث
إن
الإحصائيات تبين أن :
-
1% من الأغنياء في أمريكا يملكون 40% من الثروات فيها .
-
كل المناصب التشريعية والتنفيذية والقضائية محصورة منذ قيام
الولايات المتحدة في 5% من الأسر الغنية في أمريكا .
-
إن الديمقراطية في أمريكا هي لعبة الأغنياء فقط .
-
39.3% مليون أمريكي يعيشون تحت خط الفقر .
-
26 مليون أمريكي يعيشون في حالة جوع دائم من بينهم 5 ملايين من
المسنين .
-
26 ألف في نيويورك يأكلون من صناديق القمامة .
-
73% من النساء الأمريكيات فوق سن 55 يعشن تحت خط الفقر على الدوام
.
-
هناك 358 عائلة أمريكية تملك حصة 3 مليار من البشر ، أي تتجاوز
قيمة الدخل القومي لحوالي 4% من سكان شعوب العالم مجتمعة .
ومن
هنا
يمكن
لنا أن نؤكد على أن الرأسمالية فشلت في توسيع قاعدة الملكية وتحويل
كل الناس إلى مالكين أو حاكمين وأخفقت في القضاء على الحروب
والمجاعات ولهذا
فإن العولمة هي محاولة لإنقاذ الرأسمالية على حساب إنقاذ البشرية
لأن الرأسمالية المتوحشة التي يروج لها اليوم أدت إلى مزيد من
المشاكل وعطلت برامج التنمية وسحقت الطبقات الوسطى لكل المجتمعات .
فهل ستنطلي أكذوبة العولمة مرة أخرى مثلما انطلت أكاذيب أخرى
كثيرة
؟!
|